تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 855

مساهمون:

ص٨٥٥
ابن آدم الأول كفل من دمها ، لأنه كان أول من سنّ القتل » ، وشبيه به الحديث : « ومن سنّ سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » . وأمثال قابيل قدوة يقتدى بهم القتلة والسفّاحون والمجرمون ، وفي الاصطلاح أنهم أئمة وإنما في الإجرام ، وفي الحديث : « إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلّون » ، ويبدو قابيل ابن أبيه ، كما تقول الآية :
ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ
( آل عمران 34 ) ، والآية :
إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ
( يوسف 77 ) ، وأبوه آدم كان أول من عصى اللّه من البشر ، وأول من خالف إلى ما نهى عنه ، إلا أنه تاب وعفا اللّه عنه ، فلم يصبح إماما في العصيان ، وقابيل أصبح من الخاسرين بقتل أخيه ، ولكنه أيضا أصبح من النادمين بعد أن تلقى الدرس من طائر بسيط هو الغراب ، تعلم منه أن يوارى أخاه التراب ، وكان ندمه أنه ترك جثة أخيه مدة ولم يعرف كيف يتصرّف بها ، ولو كان قد ندم وتاب لتقبّلت توبته ، ولكنه لم يتب كأبيه . وصار إبليس بكفره رأس الكافرين من الجن ، وقابيل بجريمته رأس الخطّائين من الإنس . وهذا ما جعل علماء الطب النفسي يقولون بعقدة قابيل
Cain's complex
: وهي « عقدة الحسد للأخ الأكبر » ، وتمنّى الخير الذي عنده ؛ ونقيضها عقدة هابيل
Abel's complex
، وهي استسلام الأخ الأكبر لنزوات الأصغر ، وانصياعه له ؛ ومثل ذلك عقدة إسماعيل بن إبراهيم
Ishmael's Complex
: وهي انصياع الابن لأبيه حتى لو طلبه للموت ، ونقيضها عقدة ابن نوح
Noah'son complex
: وهي تجبّر الابن على أبيه ، ورفضه لسلطته ، وخروجه عليه ، حتى لو كان في ذلك هلاك الابن . والجزء الخاص بالغراب في قصة القرآن قمة في الحكمة ، والمسلمون الذين يقرءون القرآن ، كلما صادفهم غرابا يذكرون قصة القرآن فيتأملونه بإكبار . والغراب من أذكى الطيور ، وأروى عن غراب عثر على قطعة خبز جافة جدا ، فأخذها بمنقاره إلى ماء متجمّع في حديقة النادي ، ووضع القطعة في الماء يبللها ، ثم أخذها فكانت صالحة لأن يأكلها بعد أن زال جفافها ! وفعل غراب قابيل في أخيه الغراب ، في مواراة جثة الميت ، سنّة باقية في الخلق ، والفضل فيها لهذا الغراب ، وصار دفن الميت فرضا على جميع الناس على الكفاية . والقبر الذي استنّه الغراب حفرة ، هو الشق ، ومع تقدم المدنية صارت الحفرة لحدا ، والرسول صلى اللّه عليه وسلم دفن في اللحد ، وهو أن يحفر في جانب القبر ويوضع الميت ثم يوضع عليه اللبن ثم يهال التراب . وفي ختام هذه القصة يأتي الدرس المستفاد ، وهو قوله تعالى :
مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
( المائدة 32 )
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 855 | عبد المنعم الحفني