تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 810

مساهمون:

ص٨١٠
الملائكة ، وما كانت تسجد لآدم كآدم ، فمن اسمه أنه من الأديم أي التراب ، ولكنها سجدت للعلم ، كقوله تعالى :
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 31 ) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 ) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
( 33 ) ( البقرة ) ، فكأن آدم تعلّم مباشرة عن اللّه ، وهو تعالى العليم الحكيم ، فصار هو أيضا عليما حكيما بالتبعية ، فذلك ما سجدت له الملائكة في آدم ، وهو أول درس يتعلمه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وكأنه آدم آخر ، وشتّان بينهما ، فآدم الأول عهد اللّه إليه :
فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
( 115 ) ( طه ) ، وآدم الثاني - نبيّنا محمد صلى اللّه عليه وسلم - عهد إليه فأوفى ، وكان من أولى العزم ، وأول الآيات التي تنزلت عليه كانت للعلم ، وكانت بمثابة المقدمة الضرورية ، وتلتها أربع عشرة آية ( السورة كلها 19 آية ) نزلت من بعد الخمس ، وتشكّل أول تعاليم الرسالة المحمدية ، فإن كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم سيتعلم العلم عنه تعالى ، فإنما ليعلّمه بدوره وليس ليختزنه ، فالعلم المختزن هو العلم العقيم . ورسالة الإسلام : إذن : هي التعليم ونشر العلم ، ومن يعلم العلم الحقّ يعبده تعالى ويوحّده عن حقّ . وأول سطر في الرسالة : أن الإنسان بعد أن خلقه اللّه وأضفى عليه من النّعم وكرّمه ، استكبر على ربّه وطغى ، فقد صار غنيا وذا مال ، فأشر وبطر ، ونموذجه في السيرة أبو جهل ، يقابله أبو بكر فقد تعلم ووعى الدرس فآمن وتواضع للّه وأنفق ماله في سبيل اللّه ، وشتّان بين النموذجين . فلما أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالتبليغ قام خطيبا في عشيرته الأقربين ومنهم أبو جهل ، فسخر من النبىّ صلى اللّه عليه وسلم وسخّفه ، ولما رآه يصلى نهاه ، والآية :
أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى ( 9 ) عَبْداً إِذا صَلَّى
( 10 ) تعجب من حال أبى جهل ، ويصفه تعالى بالطغيان ، وكان يتباهى ويقول : لئن رأيت محمدا يصلى لأطأنّ عنقه ! - وكان الأولى بهذا الدعىّ أن ينظر فيما أتى به النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وما ذا تعنى صلاته ؟ وما ذا يقول فيها ؟ وهل كان يحضّ على التقوى ؟ ولكنه أعرض عن أن يفكر ، وآثر إلا أن يكذب ، ورفض أن يسمع وتولّى ، وكل ذلك في أبى جهل ولكنه أيضا يسرى على كل من يؤذى المؤمنين ويعطل الدعوة ويقبّح الإسلام ، ويسجن الداعين ، ويحظر على المسلمين أن يأخذوا بالجانب الإيجابى من دينهم ، ويريدهم أن لا يروا في الإسلام إلا الجانب الطقوسى أو العبادي ، وأن يسقطوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، والنصح بالتي هي أحسن ، والجهاد بالحوار والكلمة الطيبة ، إلا إذا أخرج المسلمون من ديارهم وأوذوا في دينهم فعندئذ فقط يتوجب عليهم أن يقاتلوا في
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 810 | عبد المنعم الحفني