تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 809

مساهمون:

ص٨٠٩
يتساءل : فمن بعد ذلك يمكن أن يكذّبك بالدين يا محمد ، أو يا أيها الإنسان ؟ يواسى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين عبر الأزمان ويسليهم ، يقول : استيقن مع ما جاءك من اللّه ، أنه تعالى أحكم الحاكمين ، قضاء بالحق ، وعدلا بين الخلق . ومع أن « ليس » للنفي ، إلا أنها مع ألف الاستفهام : « أليس » ، يصبح المعنى بالإيجاب ، يعنى هو أحكم الحاكمين فعلا . وقيل : إن « فما يكذّبك بعد بالدّين » مجرد نفى لأن يستطيع أحد تكذيبه في القول بالبعث والحساب ، وقيل : إن هذه الآية نسخت بآية السيف - هكذا أطلقوا عليها ، وهي التي تقول
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
( 5 ) ( التوبة ) ، غير أن آية التكذيب لها معناها ومجالها ، وآية القتال لها أيضا معناها ومجالها ، ولا تنسخ إحداهما الأخرى . * * *

678 . سورة العلق

وهي أيضا سورة « اقرأ » ، قيل آياتها الخمس الأولى
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
( 5 ) ، وهي أول ما نزل من القرآن في مكة على النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وأول أمر إلهي يصدر للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، بأن يذكر التسمية في ابتداء كل سورة ؛ وأول علم لدنىّ يتعلّمه من السماء ؛ وأول إعلان عالمي يصدر إلى بنى البشر يأمر يمحو أمّيتهم ، ويأمر بأن يتعلموا المسلم القراءة والكتابة ؛ وأول بلاغ يدحض كذب المدّعين من اليهود والنصارى بأن الإنسان لا يعدو أن يكون حيوانا كقول أرسطو مثلا أو دارون . ولقد رفض إبليس أن يطيع أمر اللّه بأن يسجد لآدم ، لبديع صنعه تعالى فيه ، بدعوى أن آدم من تراب ، والتراب أخسّ العناصر ، فيكون آدم وبنوه أخسّ المخلوقات ! والسورة تردّ على إبليس صاحب هذه الدعوى وعلى العلماء من حزبه ، وهي أول بلاغ علمي بأن الإنسان مخلوق من حيوان منوى ( علقة ) ، وما كان الناس أيام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( القرن السادس الميلادي ) يعرفون هذه الحقيقة ، وما كانوا يبصرونها أصلا ، وما علموا بها إلا بعد اختراع الميكروسكوب في القرن التاسع عشر ، وهذا الإعلان الذي تضمنته السورة هو أول إعجاز علمي يطرحه القرآن ، وكأنه يعلن على البشرية أن الكتب السماوية قبله كانت أساطير بسبب تحريفها ، وأن هذا الكتاب ، أي القرآن ، ابتداء من هذه السورة ، سيكون كتابا للعلوم لسائر العصور ، ولكل الأزمان . وهذه الآيات الخمس الأولى تؤسّس لعلم الحضارة ، وتقيمه على القراءة والكتابة والعلوم ، وبهذه النعم الثلاث يكون اللّه تعالى بكرمه وإحسانه ، قد أكرم الإنسان كل الكرم ، وأخرجه من حالة الخسّة إل حالة الرفعة ، وهو ما حسده عليه إبليس ، وهذه الرفعة في الإنسان هي ما استوجب أن تسجد له
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 809 | عبد المنعم الحفني