تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 757

مساهمون:

ص٧٥٧
يفرّق بين المرء وأخيه ، والزوج وزوجته ! - وفي رواية أخرى أن قريشا لمّا سألها المغيرة عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، قال بعضهم هو « ساحر » ، ونفى بعضهم أن يكون ساحرا . وقال بعضهم هو « كاهن » ، ونفى بعضهم أنه كاهن . وقال بعضهم : هو « شاعر » . ونفى بعضهم أنه شاعر ، وقال بعضهم : هو « مجنون » . ونفى بعضهم أنه مجنون . واجتمعوا آخر الأمر على أنه ساحر يؤثر ، وحضّهم المغيرة أن لا يقولوا إلا ذلك . وسمع النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بما دبّروا وأجمعوا ، فحزن ، وقنّع رأسه ، وتدثّر ، فأنزل اللّه :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ( 3 ) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ( 4 ) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ( 5 ) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ( 6 ) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ
( 7 ) . ومعنى
قُمْ فَأَنْذِرْ
: لا تفكر في قولهم وبلّغهم الرسالة . وكان رفضهم لكل الصفات إلا صفة السحر ، لأنهم علموا أن كل هذه الصفات لا يمكن أن تجتمع لشخص واحد ، فسمّوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم باسم واحد يجتمعون عليه وتأخذه العرب عنهم . وقيل : إن الذي جمع العرب هو عتبة بن ربيعة ، وهو الذي أذاع عنه أنه ساحر . وقيل : إن المجتمعين كانوا : أبا لهب ، وأبا سفيان ، والوليد بن المغيرة ، والنضر بن الحارث ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل ، ومطعم بن عدىّ . وكان اعتراض الوليد أن كلام محمد لا يشبه كلام أحد من الشعراء ، ولا يشبه كلام الكهنة ، وقال : لأن الكاهن يصدق ويكذب وما عرفنا أن محمدا قد كذب من قبل ، ولا يشبه كلام المجانين ، لأن المجنون يخنق الناس ، وما خنق محمد أحدا قط . والمدّثّر من دثره بالثوب ، وتدثّر وادّثر ، يعنى اشتمل به وتلفف ، فهو متدثّر ومدّثّر ، والدثار هو الثوب الذي يستدفأ به ويتغطّى به النائم . والمدثر في الآية تعنى : أنه تدثّر بالنبوة وركن إلى تكليفه بها دون أن يبذل جهدا في إبلاغ الناس بمضمونها ، فما كان قد نهض بعد بالرسالة ، وكان في بداية عهده بها ، ولم يتمكن من فهم أبعادها ولا مراميها ، فكان يحتاج إلى مثل هذه السورة يتفهم عنها ما سيبلّغه . والمقصود بالخطاب هو النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وليس المدثر اسما من أسمائه صلى اللّه عليه وسلم ينادى به ، ولكنه وصف لحاله ، ونودي به على سبيل الملاطفة والمؤانسة ، كندائه في سورة المزمّل في الآية :
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
( 1 ) ، وكما في نداء النبىّ صلى اللّه عليه وسلم لعلىّ بن أبي طالب : « يا أبا تراب » ، وكان قد غضب من زوجته فاطمة فنهض مسرعا يريد الخروج ، فانسدلت عباءته من فوق كتفيه على الأرض وأصابها التراب ، فناداه الرسول صلى اللّه عليه وسلم هذا النداء ليستشعر اللين . ومثله نداؤه صلى اللّه عليه وسلم على حذيفة : « يا نومان » لمّا استغرقه النوم ولم يدر بنفسه ، فأيقظه بهذا النداء إشعارا لترك العتب والتأنيب . وقوله تعالى :
وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ
( 3 ) أي عظّم ، وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع في تكبير العبادات بقوله : « اللّه أكبر » ، وقام الرسول صلى اللّه عليه وسلم لمّا نزلت :
وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ
( 3 ) وقال :