- وهو البعث - حقّ لا ريب فيه ، وعلم الساعة عنده تعالى لا يعلمها إلا هو ، فلا يصح أن يسأل فيها النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه ليس سوى نذير مبين ، وقد فعل وأنذر وأبان .
والسورة فيها الكثير من وجوه البيان والبديع ، كالمطابقة بين الموت والحياة ، والاستعارة في قوله :
تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ
، والتمثيل في قوله :
أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا
، والسجع في قوله :
كَيْفَ نَذِيرِ
، و
كانَ نَكِيرِ
، وفي قوله :
غُرُورٍ
و
وَنُفُورٍ
، والكناية في قوله :
بِيَدِهِ الْمُلْكُ
. . . إلخ ، وللّه الحمد والمنّة ، وبه التوفيق والعصمة .
* * *
650 . سورة القلم
سميت السورة باسم ما جاء في ابتدائها
الْقَلَمِ
، الذي أقسم اللّه تعالى به لما فيه من البيان ، وبدأها بحرف الهجاء « نون » كما في سائر مفاتيح السور ، وقيل اسم السورة
ن
وأما
الْقَلَمِ
فهو المقسم به ، قيل : هو أول ما خلق ، والنون كانت الدواة . ومن خرافات التفسير أن يقال : النون هو الحوت الذي يحمل الأرض ! وقيل : القلم لمّا خلق كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ! وقيل : نون افتتاح أسمائه تعالى نصير ، ونور ، وناصر ، وآخر حرف من الرحمن ! والصحيح أن القلم نعمة من اللّه ، وكذلك حروف الهجاء من أمثال نون ، لأن منها بناء الكلمات التي بها تتألف العبارات ، وبها يتعلم الناس ويعلّمون ويحفظون التراث . والسورة مكية ، وكشأن المكيات فإنها تتناول أمور العقيدة ، وتردّ على الشّبه التي أثاروها وما يزالون على الدعوة ، وعلى قيام النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بها ، واستحقاقه كنبىّ ورسول ، وفيها الكثير مما يمكن أن يضرب للوعظ والإرشاد كقصة أصحاب الجنة ، وكانوا ظالمين طاغين ، فلم تنفعهم أموالهم ، ولا أنجتهم سعة عيشهم لمّا حاق بهم غضبه تعالى .
والسورة تروى عن أحوال المكذّبين ، وبدأت بالقلم ، لأن ما قالوه وفعلوه بالنبىّ صلى اللّه عليه وسلم قد أحصى عليهم وكتب وسجّل ، وما كان بالمجنون كما ادّعوا ، وما تحمّله منهم لا بد أن يؤجر عليه من ربّه ، لا منّا ولا تفضّلا وإنما عن استحقاق ، فهو صاحب الخلق العظيم ، ولسوف يبصرون يوم القيامة هل كان هو المجنون أم كان المكذّبون هم المجانين الذين فتنتهم شياطينهم ؟ وما كانوا سوى منافقين لا يمشون إلا بالنميمة ، وإذا حلفوا أكثروا الحلف المهين ، واستقووا بأموالهم وأولادهم ، وقالوا عن القرآن إنه ترهات وخرافات السابقين ، وما دروا ما أعدّ اللّه لهم من عذاب ، وما ادّخره للمتقين من ثواب ، وليس المسلمون كالمجرمين ، يوم يكشف عن ساق ، ويدعون إلى السجود ، أي الإقرار بالحق ، ويبدو لهم وقتها العذاب الصراح . وتنتهى السورة بدعوة النبىّ صلى اللّه عليه وسلم إلى الصبر ، وتنهاه عن أن يكون كصاحب الحوت يونس عندما ضجر وعجل ، وليترك أمر المكذّبين ، يستدرجون ويملى لهم من حيث لا يعلمون .