تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 708

مساهمون:

ص٧٠٨
فكان اللّه ولم يكن الكون ، وهو يميت ، والموت من عالم الشهادة ، ويبعث ، والبعث نشهده في الأرض يحييها الماء ، فتضج بالمخلوقات والنباتات . وهو تعالى الأول : ليس قبله شئ ، والآخر : ليس بعده شئ ، والظاهر : لم يظهر عليه شئ ، والباطن : فليس وراءه شئ ، وهو وراء كل شئ ، وحقيقة كل شئ ، خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، واليوم هو الوقت الاصطلاحي ، أو الوقت مطلقا ، من يمّم أي قصد وتوخّى ، فهو الوقت الذي يستغرقه إتمام القصد ، والأيام الستة قد تكون من أيام الأرض ، كناية عن سرعة خلقه تعالى للكون بقوله كن ، وقد تكون من أيام الآخرة ، كل يوم بألف سنة من سنين الأرض ، والعدد ألف يقال مجازا عن طول المدة ، والحقيقة أنه لا علم لنا بالمدة التي استغرقها الخلق ، فكلها أقوال تقريب الخلق العظيم من أفهام المخلوقين ، وهو في الأول والآخر الخالق المبدع والعالم القادر ، سبحانه . والعرش هو الكون بأسره ، ما نعرف منه وما لا نعرف . والاستواء : هو التمكّن والسيطرة ، فصار الكون إليه ، وصار تدبيره عليه ، وتحقق علمه به ، وبما يلج ويعرج فيه ، وبما يتنزّل منه ، وهو في كل مكان ، ومع كل إنسان ، والزمان من إبداعه ، والليل والنهار من اختراعه ، وخلق لهما أدواتهما من شمس وقمر ، وأرض وسماء ، وشروق وغروب ، وأحاط علمه بكل شئ ، ولا يخفى عليه ما في الصدور ، ولا ما تتحدّث به النفوس ، وتحتشد له النوايا والسرائر . وبمثل ذلك بدأت السورة ، فكانت قمة في التسبيح والتمجيد للّه ، فأرشدت المؤمن الحائر ، ودلّت القلب الواعي ، فكأن هذا الجزء من السورة هو مقدمة للجزء الثاني عن دعوة الإسلام ، في مثل قوله تعالى :
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
( 7 ) ، ليس لأن اللّه يحتاج إلى من يشهد له ، وإنما لأن في الإيمان بالإسلام صلاح للبشرية وللأحوال في الأرض ، والصلاح قوامه المال ، والمال يؤتيه اللّه من يشاء ويستخلفه فيه ، لينفقه صاحب المال في الخير ، وربطت السورة بين الإيمان والإنفاق ، بقوله تعالى :
فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ
( 7 ) ، ونظرية الأجر من نظريات القرآن ، والأجر هو الثواب والعقاب على العمل ، ومن يجحد الثواب والعقاب جاحد للّه ولتعاليم القرآن . والإنفاق من ركائز اشتراكية الإسلام ، وأساس هذه الاشتراكية أن المال للّه ، وأن الإنسان مستخلف عليه ووكيل عن اللّه فيه . وقوله تعالى :
وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
( 8 ) استفهام للإنكار والتوبيخ ، والآية فيها أن النبوة ضرورية لمعرفة اللّه ، ولسدّ حاجة الإنسان للشرائع ، وأن الإيمان طبع مركوز في الإنسان ، وهو الميثاق : شدّ اللّه به وثاق الإنسان بنصب القدرة فيه على الاستدلال ، وأن يتفهم الحجج والبراهين فيتأكد من وجوده تعالى ، ويتوثّق من وحدانيته . والآية تحضّ