تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 662

مساهمون:

ص٦٦٢
الأحقاف ، وتبدأ مثل الأحقاف بقوله تعالى :
حم ( 1 ) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
( 2 ) ، تنوّه بالقرآن أنه من عند اللّه تعالى ، وأنه ينبّه ثلاثة أصناف من الناس إلى آيات اللّه في الكون ، وهؤلاء هم : المؤمنون ، والموقنون ، والعاقلون ؛ فالأولون : تلفتهم إلى آياته في السماوات والأرض ؛ والثانون : تلفتهم إلى آياته في أنفسهم ، وكيف خلقوا ، وفي الكائنات كلها وكيف صنعها وأبدعها ؛ والصنف الثالث : تلفتهم إلى خلقه تعالى للزمان ، وكيف جعل منه الليل والنهار ، وإلى المطر وكيف أنزله من السماء فأحيا به الأرض بعد موتها ، وإلى الرياح وكيف يصرّفها ويغيّرها ويبدّلها ، فلمّا آمنوا به لتفكرهم في آياته في السماء والأرض ، كان تفكّرهم في أنفسهم وفي الكائنات ، فأيقنوا بعد الإيمان ، فلما أيقنوا عقلوا ظواهر الكون الأخرى ، وفهموها ، ووعوا الدروس عنها . وهذه الآيات يتلوها القرآن بالحق ، فبأي حديث بعد القرآن ليقنعهم ليصدّقوا ويؤمنوا ويوقنوا ويعقلوا ؟ وبعد القرآن لا حديث ولا برهان ، وكل من لا يقتنع بالقرآن فهو الأفّاك المنتحل للأعذار ، والأثيم هو المرتكب للإثم أي الذنب الكبير ، ومثله له العذاب الأليم في الآخرة . ومصيبة هذا الأفاك أنه لا يقنع بالقرآن وكفى ، وإنما هو يستهزئ به ، فيتحول عذابه من العذاب الأليم إلى العذاب المهين - أي الذي يحط من شأنه ، ويهان به كما أهان القرآن ، وسواء هذا أو ذاك فمن ورائهم جهنم ، لا يغنى عنهم عذابها ما كسبوا من مال ، أو ما كان لهم من خدم وحشم وأتباع وأنصار وأولياء ، ولهم جميعا في جهنم العذاب العظيم ، وهو عظيم لأنه يناسب عظمة إثمهم ، وحجم جرمهم ، وما كان لهم من قوة وسلطان . وهذا القرآن الذي لم يؤمنوا به ، واستهزءوا به ، هدى ونور ، ونجاة وغوث ، ومن يكفر به وبآياته لهم عذاب رجز أليم ، أي أبشع العذاب ، فهذه أربعة أنواع من العذاب ، لكل منهم شدّته ومناسبته وناسه وجرمه . وتعود الآيات إلى مشهد آخر من مشاهد تعداد آيات الكون تنبّه إليها آيات الكتاب ، فالبحر تجرى فيه الفلك بأمره تعالى ، سخّره للناس ، ويأكلون منه لحما طريا ، ويستخرجون حلية لهم من اللآلئ والأصداف لعلهم يشكرون ؛ والسماء سخّرها لهم ، وسخّر ما في الأرض جميعا ، لعلهم يتفكّرون ، وفي قوله :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
( 13 ) إعجاز علمي لا شك فيه ، لم يكن مفهوما قديما كما في هذه الأيام التي فيها الطيران ومحطات الفضاء ، ودراسات النجوم والكواكب والشمس والقمر ، والاستفادة بالفضاء أكبر الفائدة في المواصلات الفضائية واللاسلكية . والذي خلق ويسّر وسخّر وعلّم وأفاد بكل هذا هو اللّه ، أفبعد ذلك يكفرون ؟ فإن عذّبهم فإنما بما كسبوا ، ومن عمل صالحا فلنفسه ، ومن أساء فعليها .