تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 649

مساهمون:

ص٦٤٩
والحياتان : الأولى في الدنيا ، والثانية بعد البعث . ولقد كفروا في الحياة الأولى برغم كل الدلائل على وجود اللّه ، وعلى وحدانيته ، وعلى البعث والحساب والثواب والجزاء ، وأنّى للكافر أن يتّعظ ويتوب ؟ ! مع أنه تعالى يرعاهم خير الرعاية ، ويرزقهم خير الرزق ! وأما المؤمن الشاكر فذلك الذي يدعوه مخلصا له دينه ، وهو اللّه أولا وأخيرا ، له الدرجات الرفيعة ، والعرش العظيم ؛ وهو ينزل وحيه على من يشاء من عباده ويرسله ينذر يوم التلاق : وهو اسم ليوم القيامة ، سمّى كذلك لأن الناس فيه يلتقون ويبرزون ، لا يخفى على اللّه منهم أحد ، وله حينئذ الملك ، وهو الواحد القهّار ، لا يشاركه أحد في ملكه ، وهو قهّار لأنه عزيز كما جاء في أول السورة ، ويقهر بالغلبة كل ما سواه . واسم يوم القيامة أيضا : يوم الآزفة من أزف الوقت يعنى قد حان ، والآزفة هي الساعة قد دنت ، وحينئذ يقضى اللّه تعالى بالحق ، فهل يقضى به من يدعون دونه ؟ ودلائل وجوده وقدرته تحفل بها الأرض ، وكم من الأمم والأقوام كانوا أكثر قوة ولهم الآثار الجليّ ، فما كان لهم من اللّه من واق . وتضرب السورة المثل للكفّار بموسى وقوم فرعون ، فلما عتى قوم فرعون ، أرسل لهم موسى ، واحتمى فرعون من سلطان موسى بقومه ، وانتحى الطغاة : فرعون وهامان وقارون ، والأول من دهاقين أهل السياسة وطواغيتهم ، والثاني من دهاقين الحرب ، والثالث من دهاقين المال والاقتصاد ، وبات الأمر سجالا بين الطرفين ، طرف موسى يمثّل الحقّ ، وطرف فرعون وهامان وقارون ، وبدا كأن كفة هؤلاء الطغاة الدهاقين هي الراجحة ، وبدا كأن السورة قد شحنت بالعنف والشدّة ، وكأننا قد صرنا في معركة ، الطعان فيها سجال ، وأن الأمر وإن طال فحتما سيسفر عن نتيجة معروفة مقدما ، تنتصر فيها السياسة والعسكرية والمال ، إلا أن اللّه كان مع موسى الداعي له ، وأسفرت المعركة عن مصارع الطغاة . وتدخل رجل مؤمن ، يريد أن ينتصر لموسى ، ويهدى قومه ، ودفاع المؤمن كان خير دفاع عن قضية الحق ، ونجّى اللّه موسى وقومه ، وغرق آل فرعون فهم في النار ، يعرضون عليها غدوا وعشيا إلى يوم الساعة ، وفيه الناس فريقان ، ففريق في النار ، وفريق في الجنة ، والأولون هم المستكبرون ، والآخرون هم المستضعفون ، وتخلص السورة إلى أن الجدل في اللّه يردى أصحابه ، ويخاطب اللّه نبيّه صلى اللّه عليه وسلم أن يترك الجدل ، وينحّيه جانبا ، وأن يصرف عنه أصحابه ، وأن يكونوا على اليقين بأن كل البراهين تثبت وجوده وقدرته تعالى ، وهو اللّه الخالق الذي لا إله إلا هو ، قرّ الأرض ، وبنى السماء ، وصوّر الناس ، ورزق الطيبات ، فتبارك اللّه . وتختتم السورة بالأمر للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم وللمؤمنين بالصبر ، فإن وعد اللّه حق ، وكل الأنبياء لاقوا العنت ، وصبروا . وليست قصة موسى ، ولا مؤمن آل فرعون إلا
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 649 | عبد المنعم الحفني