تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 575

مساهمون:

ص٥٧٥
القيامة ، والذين اتقوا وأحسنوا في الدنيا لهم فيها حسنة وفي الآخرة حسنة . ولا عذر لمن يشرك فقد أناط بكل أمة رسولا ، ولكنهم أصرّوا على الإنكار وأقسموا أن لا بعث ولا حساب ، وهو اللّه له المشيئة ، وما يريده يكون ، وما كان الرسل إلا رجالا يوحى إليهم . وهذا الذكر نزّل على النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ليبيّن للناس ، ولا يأمن الذين يحتالون على محاربة الإسلام ، أن يخسف اللّه بهم الأرض كما خسف بقارون ، أو يأتيهم العذاب كقوم لوط من حيث لا يشعرون ، وما هم مسابقين للّه ولا فائتيه ، وهم له داخرون وصاغرون . ولقد دعاهم أن لا يتخذوا إليهن ، فإنما هو إله واحد ، الطاعة له واجبة أبدا ، ويجعلون له البنات سبحانه ، ولهم مثل السوء ، وللّه المثل الأعلى ، ويجعلون له ما يكرهون . ولو شاء اللّه لجعل الناس أمة واحدة ، والذين لا يؤمنون بآيات اللّه إنما يفترون الكذب . وتتابع السورة تذكّر الناس بنتيجة الكفر باللّه وبنعمه وآياته ، وعدم القيام بشكره ، وتحذرهم العاقبة ، وتضرب المثل بإبراهيم ، فقد كان أمة قانتا للّه حنيفا ، قد جمع الخير كله فيه ، وأطاع اللّه وهجر كل ملة إلا الإسلام ، وكان من الشاكرين ، فاجتباه وهداه ، وأوحى إلى محمد أن يتّبع ملّته ، وأن يكون حنيفا مثله فلا يشرك باللّه ، ولا يدين إلا بالإسلام . وتختم السورة الكريمة بأمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالدعوة إلى اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، وإذا جادل الكافرين أن يجادلهم بالتي هي أحسن ، أي بالمنطق ، وإن يعلّم المؤمنين أن لا يعاقبوا إلا بمثل ما عوقبوا به ، ولو صبروا لكان خيرا لهم ، ثم يأمر نبيّه صلى اللّه عليه وسلم أن يصبر ولا يحزن عليهم ، ولا يك في ضيق مما يمكرون ، فاللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون . وفي السورة من أقواله تعالى :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
( 1 ) يخبر بالماضي عن المستقبل ، لأنه آت لا محالة ؛ وقوله :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ
( 2 ) ، الروح هي الوحي ، وهي النبوة ، ونظيره قوله :
يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
( غافر 15 ) ؛ وقوله :
الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ
( 5 ) يدلّ على لباس الصوف ، وقد لبسه رسوله صلى اللّه عليه وسلم والأنبياء قبله . وفي حديث المغيرة عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه غسل جبّة من صوف شامية ، والحديث أخرجه مسلم ، والصوف من الأنعام شعار المتّقين ، ولباس الصالحين ، وشارة الصحابة والتابعين ، واختيار الزهّاد والعارفين ، ويلبس ليّنا وخشنا ، وجيدا ومقاربا ورديئا ، وإليه تنسب الصوفية ، لأنه لباسهم في الغالب ؛ وقوله :
وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
( 9 ) يبيّن أن المشيئة للّه تعالى ويردّ على القدرية ، وهو تعالى قد شاء أن يكون للإنسان الخيار ، وقد هداه النجدين والسبيلين : الخير والشر ، وبناء على حرية اختياره تكون مسئوليته ، وأما التكاليف فهو مأمور بها لأنه بدونها لا يكون الاجتماع الإنسانى ، ولا تصلح