تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
كلّ في حياته العادية ، وكأنما كان نزول الإسلام حركة انقلاب تحولت بها زعامة العرب من فئة الكافرين إلى فئة المؤمنين ولا أكثر من ذلك . ولكن سورة براءة وضعت حدا للمشركين والكفار والمنافقين ، ونحّتهم عن الحياة العامة ، ومنعت أن يكون لهم الغلبة على التكوين العام للعقلية العربية ، وطبعت المجتمع بالطابع الإسلامي الصرف ، وميّزت المسلمين عن غيرهم ، وأوضحت بشكل لا لبس فيه أهداف الإسلام نحو إنشاء الدولة الإسلامية ، والتأسيس لنوعية التربية والتعليم الإسلاميين . وفضحت السورة المعارضين ، وأوجزت في عبارات بليغة نقدها لفلسفاتهم ، ودللت على تفاهة معتقداتهم وتهافت مذاهبهم التي يصدرون عنها ، وأعلت من شأن الإسلام وكلمة الحق والدين ، وجعلت السورة مهلة أربعة شهور لمن كانت بينه وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عهود ، ومن كان عهده أكثر من أربعة أشهر يتم له عهده ، كقوله تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
( 4 ) ، ولم يبدأ الرسول صلى اللّه عليه وسلم بقطع العهد ولكن الذي قطعه كان أهل مكة ، وذلك أنه كان قد تصالح وقريشا عام الحديبية على أن يضعوا الحرب ، فعدت بنو بكر على خزاعة ونقضوا العهد ، وأعانت قريش بنى بكر بالسلاح والرجال ، فانهزمت خزاعة ، فكان ذلك نقضا لصلح الحديبية ، وذهب الخزاعيون إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم مستغيثين به ، فقال : « لا نصرت إن لم أنصر بنى كعب » - يعنى خزاعة ، وتجهّز الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى مكة ففتحها سنة ثمان هجرية ، واتجه إلى هوازن وكانت وقعة هوازن يوم حنين في أول شوال سنة ثمان ، وحاصر الطائف ، ثم انصرف إلى الجعرانة ، وفي رجب من سنة تسع اتجه إلى غزوة الروم التي هي غزوة تبوك ، ونزلت براءة قبل الغزوة وأثناءها وبعدها . والسورة فيها جواز نقض العهد ، وقيل إن العهد قد نسخ ولم يكن ذلك نسخا وإنما نقض له أسبابه ، وأعلن النقض يوم الحج الأكبر - وهو مصطلح إسلامي ، قيل هو يوم عرفة ، وقيل هو يوم النحر ، والصحيح أنه يوم النحر ، وسمى يوم الحج الأكبر بقول النبىّ صلى اللّه عليه وسلم فيه : « هذا يوم الحج الأكبر » ، كمقابل لقول الناس الحج الأصغر ، وبناء على إعلان براءة اللّه ورسوله من المشركين ، لم يحج مشرك عام حجة الوداع الذي حجّ فيه النبىّ صلى اللّه عليه وسلم . ويوم الحج الأكبر : يهراق فيه الدم ، ويوضع فيه الشّعا ، ويلقى فيه التفث ( الوسخ ) ، وتحل فيه الحرم ، وهو يوم الحج كله . وفي السورة أن الشهور الأربعة هي الشهور الحرم ، أو شهور العهد ، وإذا انسلخت ، يباح قتل كل مشرك باستثناء المرأة والراهب والصبى والزمن ، وتمنع المثلة ؛ وقيل إن الآية :
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ