تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
( الحج 78 ) ، فخصّ الله هذه الأمة بأكمل الشرائع ، وأقوم المناهج ، وأوضح المذاهب ، فاستحقّت أن تكون الشاهد على غيرها ، واستحق نبيّها أن يشهد عليها ، وعن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق ، ما من الناس أحد إلّا ودّ أنه منا ، وما من نبىّ كذّبه قومه إلّا ونحن نشهد أنه قد بلّغ رسالة ربّه عزّ وجلّ » . رواه أحمد . وإنه لشئ عجيب اختصّ اللّه به هذه الأمة أن تجتمع جميعها على جهة واحدة ، يقول :
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
( البقرة 150 ) ، فأمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض ، شرقا ، وغربا ، وشمالا ، وجنوبا ، فأية عظمة هذه ! وأية نعمة ! ! ولا يستثنى من هذا سوى النافلة في حالة السفر ، فإن المسلم يصليها حيثما توجه وقلبه نحو الكعبة ، وفي ساحات الوغى يصلى على أي حال ، وكذلك من جهل جهة القبلة يصلى باجتهاده وإن كان مخطئا ، فالإسلام أيسر الأديان ، واللّه تعالى دائما وأبدا لا يكلف النفوس إلا وسعها . وكان اليهود على ثقة من أن قبلة المسلمين حتما ستتغير لتكون قبلة الآباء التي عرفوها وحفظوا عنها ، وأكد اللّه تعالى ظنهم وقال :
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ
( البقرة 144 ) ، أي ليعلمون أنه تعالى سيوجه المسلمين إلى الكعبة :
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
( البقرة 148 ) ، أي لكل أهل ديانة قبلتهم التي يرتضونها ، فلليهود وجهة ، وللنصارى وجهة ، وهذه وجهة أهل الإسلام ، كما في قوله :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
( المائدة 48 ) ، يعنى من الخطأ أن يفرض على الناس شرعة ومنهجا واحدا ، وإنما لكل أمة شرعتها ومنهجها ، وإلّا لكانت أمم العالم أمة واحدة ولما كنا متباينين ، وفي التباين تمايز بحسب حاجات الأمم وخصائصها . وفي التباين بوسع الأمم أن تفعل بما يريحها ، وأن تستبق وغيرها في الخيرات . واختيار الكعبة قبلة للمسلمين فيه ترسيخ لما اشتهر عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أنه على الحنيفية السمحاء ملّة إبراهيم ، والإسلام هو الصورة العربية للحنيفية ، وكان إبراهيم أول المسلمين ، وهو الذي سمّى المسلمين ، فلا أقل من أن يتوجه المسلمون إلى الكعبة بيت اللّه الذي بناه إبراهيم ، كقوله تعالى :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ
( البقرة 150 ) ، أي بتوجّهكم إلى الكعبة تسقط مزاعم الناس عنكم ، ولا يصبح لأحد فضل عليكم ، فلا تخشوا بعد الآن أن يتقوّل المتعنتون ، أو يتأوّل الظالمون ، فلقد تمت عليكم نعمة اللّه ، واستكمل لكم شريعتكم
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 506 | عبد المنعم الحفني