روّج للإسرائيليات ، وبعض الذنب يقع على العرب والمسلمين ، وكل الذنب يقع على المغرضين من أصحاب هاتين الديانتين اليهودية والنصرانية الذين غرروا بالمسلمين .
ولقد آن الأوان أن يشمّر المسلمون عن سواعدهم ويغربلوا كتب التراث ويستبعدوا من طبعاتها اللاحقة كل هذا الوسخ من الإسرائيليات . وإن المرء ليحار : لما ذا لم يتعهد بذلك الأزهر حتى الآن ؟ ولما ذا لم تتوجه رسالات الماچستير والدكتوراه فيه إلى تنقية وتطهير التراث مما يشينه من هذا العار ؟ ؟ . . هذا سؤال يحتاج إلى الجواب !
ويبدو أن البعض قد حلّ الإشكال بأن استمسك بأحاديث تجيز أن يستعين بالإسرائيليات وأن يستشهد بها ، ويحضّ على القراءة في كتب اليهود والنصارى ، ومنها أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قد حكى عن تميم الداري - وكان نصرانيا - أنه حدّثه حديثا يوافق ما كان يتحدّث به الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن المسيح الدجّال ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم قال : بلّغوا عنى ولو آية ، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار . ونحن نشك في الجملة الاعتراضية « حدّثوا عن بني إسرائيل » ، لأنها زائدة على النصّ ، ولا تتوافق مع بدايته ونهايته ، فكأنما هي محشورة قصدا ، وموضوعة عمدا . وجواز اللجوء إلى الإسرائيليات شرطه أن تكون هذه الإسرائيليات صحيحة ومن كتب اليهود فعلا ، ولا تكون تلفيقات وتهاويم وخرافات . وإيراد الإسرائيليات يحكمه أن يتحصّل من روايتها فائدة ، وأن يكون الحال يستدعيها . والاطّلاع على كتب الديانات الأخرى لا بد أن يكون مباحا وميسرا ، والنهى عنه مضاد للعلم ، والسماح به يوسّع المدارك ويزيد المعرفة ويعمّق الفهم . وقد وردت أحاديث تحذّر من الإسرائيليات كالحديث الذي رواه أحمد والبزار ، يقول : « لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلّوا ، وأنكم إما أن تكذّبوا بحق أو تصدّقوا بباطل » ، وفي البخاري عن أبي هريرة قال : لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم وقولوا :
آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا . . . .
( الآية - البقرة 136 ) .
والأحسن في باب النظر أن يقرأ المسلمون في اليهودية والنصرانية فيعرفوا بأنفسهم أوجه النقص فيها وما يكتنفها من معايب ، وفي الجدل مع أهل الكتاب ليس من سبيل إلا أن نعرف عنهم من مصادرهم ومراجعهم فنرد عليهم بما يعتقدون صحته ، ونلزمهم الحجة بعباراتهم . وإن المرء ليتشكك في حديث كهذا الحديث عن الرجل الذي جاء إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم يقول له : إني قرأت القرآن والتوراة . فقال له : اقرأ هذا ليلة وهذا ليلة ! ومثل ذلك لا يقال لآحاد الناس وإنما للثقاة ، ثم إنه قد ثبت موضوعيا وعلميا تحريف التوراة والأناجيل فلا يستوى القرآن بهما . وربما الرسول صلى اللّه عليه وسلم يحضّه على القراءة في التوراة ليعلم المحرّف