فيها مقارنة بالقرآن ، ويتبصّر فيما تقوم به الحجة على اليهودية من عباراتها ، وليزداد علما بمجادلتهم من معتقدهم . والعلم أفضل من الجهل . وإذا كان الحديث الذي يقول : و « حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج » صحيحا فمعناه حتما : حدّثوا عنهم بما تعلمون صدقه ، وبما يوافق القرآن والسنّة الصحيحة . ولا يمكن أن يكون المعنى حدّثوا عنهم بكل حديث حق أو باطل . وأما قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم » فذلك حتما فيما لا يتناقض مع الإسلام ، وليس من سماعه ضرر ولا نفع . وقيل إن النهى عن الرجوع إلى كتب اليهود والنصارى كان في أول الإسلام ، فلما رسخ الناس في علوم الشريعة وتمكنوا من معرفة أصولها ، وصار لديهم من قوة النظر ما يؤهّلهم للتمييز بين الحق والباطل ، وتتنامى به لديهم المناعة ضد الخطأ ، أبيح لهم الأخذ عنهم ومطالعة كتبهم .
ولا شك أن النهى كان للتنزيه لا للتحريم . وما كان الرجوع إلى كتبهم المحرّفة وفيها ما فيها من الزيادة والنقص ، إلا سيحدث البلبلة ويؤدى إلى كثير من الفساد .
وفي الحديث : « لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ ، فيخبروكم بحقّ فتكذّبوا به ، أو بباطل فتصدّقوا به » ، أن الخشية من أن يكذّب المسلم بحق ، أو يصدّق بباطل ، إلا لو كان عالما ، فهذا هو الذي بمأمن من ذلك . والجائز الرواية عنهم فيه هو المحمول على ما يمكن أن يكون صحيحا ؛ وما يعلم أو يظن بطلانه لمخالفته الحق ، هو المتروك المردود عليه ، أو الذي لا يعرّج عليه . والنهى عن سؤالهم هو نهىّ عن الاهتداء بهم لتحريفهم بعض ما عندهم ، ونسيانهم بعض ما أنزل عليهم . وقد نهى عمر كعب الأحبار عن رواية الإسرائيليات ، لأنه خشي على سواء الناس إن سمعوا أحاديث كعب ، أن لا يميزوا فيها بين الحق والباطل ، فتتشوّش عقيدتهم ويهتز إيمانهم .
ويروى ابن تيمية أن ترديد الإسرائيليات إنما للاستشهاد لا للاعتقاد ، فما نعلم صحته مما بأيدينا ويشهد له بالصدق فهو صحيح ، وما نعلم كذبه بما عندنا مما يخالفه فهو متروك مردود . وما لا ضرر منه ولا نفع ، نسكت عنه فلا نؤمن به ولا نكذّبه ولا ننقله ، وإن كنا نسمعه . ويذهب ابن كثير إلى نفس الرأي كأستاذه ابن تيمية ، ويبيح النقل من الإسرائيليات في حدود ما أذن الشارع في نقله مما لا يخالف الكتاب والسنّة . والإمام البقاعى لا يحظر النقل طالما المقصود الاستئناس لا الاعتماد ، والأسلم هو أن نقرأ وأن نلم بمعتقد اليهود والنصارى ولا ننقل البتة ، وإنما نقارن ونوازن . والمعروف عن اليهود أنهم أدخلوا الإسرائيليات في الإسلام للهيمنة على هذا الدين الجديد بعد أن عجزوا عن دحره بالقوة المادية . وأدخلوها عن طريق مسلمين كبار ينكر الكثيرون أنهم قالوا بها أو ذكروها ، ومن
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 374
مساهمون: عبد المنعم الحفني
ص٣٧٤