تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
( 15 ) ( الحجرات ) ، فالأعراب أسلموا ولكنهم لم يصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد ، ثم في الآية اللاحقة أن المؤمنين الكمّل هم الذين لم يتشككوا ، ولا تزلزلوا ، ولكنهم ثبتوا وصدّقوا ، ومقامهم مقام التصديق المحض ، ولذلك جاهدوا بالمال والأنفس فصدقوا أنهم مؤمنون ، ولم يتجاوزا الصدق عندما قالوا إنهم مؤمنون . فكل من توقف عند الإسلام ولم يترقّ إلى الإيمان فهو من الأعراب ، وأما تاريخيا فهؤلاء كانوا رهطا من بنى أسد بن خزيمة ، قدموا إلى المدينة في سنة جدبة ، وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين حقا ، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات ، وأغلوا أسعارها ، وقالوا للرسول صلى اللّه عليه وسلم : أسلمنا وقاتلتك العرب ولم نقاتلك ، فقال : « إن فقههم قليل والشيطان ينطلق على ألسنتهم » أو قالوا : أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان ، فأعطنا من الصدقة ، وجعلوا يمنون عليه فأنزل اللّه هذه الآية والتي تليها ، قال :
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
( 17 ) ( الحجرات ) . وسواء نزلت الآية في هؤلاء من بنى أسد ، أو في أعراب مزينة وجهينة وأسلم وغفار والدّيل وأشجع ، ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم ، فلما استنفروا تخلّفوا ، فإن هذه الآيات عامة يقصد بها المنافقون الذين يظهرون الإيمان ولم تؤمن قلوبهم ، فحقيقة الإيمان : التصديق بالقلب ؛ وأما الإسلام : فحقيقته قبول ما أتى به النبىّ صلى اللّه عليه وسلم . وفي الحديث عند البخاري : « بنى الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا رسول اللّه ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحجّ ، وصوم رمضان » والمراد بالشهادة تصديق الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيما جاء به . وصحة الإسلام لا تقوم إلا بالإقرار بالتوحيد . والإسلام لغة هو الطاعة والانقياد ، وفي الحديث فإن حاصل الإسلام شرعا هو الأعمال الظاهرة ، والتلفّظ بالشهادة ، والإتيان بالواجبات ، والانتهاء عن المنهيّات . والإسلام والإيمان متلازمان في المفهوم ، سوى أن الإسلام علانية ، والإيمان في القلب . أو أن الإسلام والإذعان مترادف ، لأن الإسلام هو الخضوع والانقياد للأحكام ، أي قبولها والإيمان بها ، وذلك نفسه حقيقة التصديق ، ومن ثم فإن الإسلام والإيمان يترادفان ، وكلما أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ، ودلّ انفراده على ما يدل عليه الآخر ، وإن قرن بينهما تغايرا . وأصل الإسلام : أن المسلم هو الذي يحفظ الشيء سالما بتجديده وصيانته ، أي صيانة التوحيد ، وتجديد الإيمان باللّه الواحد . وفي التصوف الإسلامي : المسلم هو المستسلم للّه ، والمسلم نفسه للّه . والخلاصة : أن الإسلام هو خلوص العقيدة . غير أن مفهومه كان دائم التطور مع
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 351 | عبد المنعم الحفني