تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
الإدراك لا يستلزم نفى الرؤية ، لإمكان رؤية الشيء من غير إدراكه ، أي من غير الإحاطة بحقيقته . وقوله لموسى « لن تراني » يعنى في الدنيا . وعاب المثبتون على المنكرين شروطهم العقلية للرؤية ، كالنظر المخصوص ، والمقابلة المخصوصة ، واتصال الأشعة ، وزوال الموانع كالبعد والحجب . ولا يشترط أهل السنة شيئا من ذلك سوى وجود المرئى ، ويقولون : إن الرؤية إدراك يخلقه اللّه تعالى للرائي فيرى المرئى ، بدليل الأحاديث مثل : « ستعرضون على ربّكم فترونه » ، ومثل : « إنكم سترون ربّكم عيانا » ، ومثل : « وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربّهم إلا رداء الكبرياء على وجهه » . وأمثال هذه الأحاديث قالها النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يخاطب بها العرب بما تفهم ، ويخرج لها بها الأشياء المعنوية إلى الحسّ ، ليقرّب تناولهم لها ، فعبّر مثلا عن زوال الموانع عن الرؤية ورفعها عن الأبصار برفع الحجاب من على الوجه . والعرب كانوا يستعملون الاستعارة كثيرا ، وهي من أرفع أدواتهم في الفصاحة والإيجاز ، ومخاطبة الرسول صلى اللّه عليه وسلم للناس بهذه الأحاديث من هذا المعنى ، ومن لم يفهم ذلك تاه ، ومن أجرى الكلام على ظاهره أفضى به الأمر إلى التجسيم ، ومن لم يتضح له أن اللّه منزه عن الذي يقتضيه ظاهر الأحاديث ، إما أن يكذّب نقلتها ، وإما أن يؤوّلها ، كأن يقول عن رداء الكبرياء كحجاب ، أنه استعارة لضعف إدراك أبصار البشر عن رؤيته تعالى ، فإذا شاء تقوية أبصارهم وقلوبهم كشف عنهم حجاب هيبته وموانع عظمته . والمراد بالوجه : الذات ، والمراد بالرداء : صفة من صفات الذات المنزّهة له تعالى عما يشبه المخلوقات . وقيل : تأويل الرداء أنه الآفة الموجودة لأبصار المؤمنين تمنعهم من رؤيته فيزيلها اللّه تعالى ، وإزالتها فعل من أفعاله يفعله في محل رؤيتهم ، فطالما ذلك المانع موجود لا يرونه ، فإذا فعل الرؤية زال ذلك المانع . * * *

364 . رؤية اللّه بالقلب أو بالإيمان ؟

قال تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
( 103 ) ( الأنعام ) والإدراك إحاطة ، وأساسه الرؤية ، واللّه تعالى لا يرى في الدنيا ، لأنه تعالى باق ، والباقي لا يرى بالفاني ، فإذا كانت الآخرة ورزق المؤمنون أبصارا باقية رأوا الباقي بالباقي ، فذلك جائز عقلا ولذلك كانت الآية :
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
( 15 ) ( المطففين ) فالمراد الكفار يحجبون عن اللّه ، يعنى عن رؤيته ، بدليل قوله تعالى في الآية الأخرى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
( 23 ) ( القيامة ) ، وهؤلاء هم المؤمنون ينظرون اللّه في الآخرة مكافأة لهم . واستحالة الرؤية لله تعالى في الدنيا من حيث القدرة ، فإذا أقدر اللّه من شاء من عباده عليها في الآخرة لم