تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
حقيقة الإيمان . والمحبة هي إرادة ما نعتقد أنه خير ، وميل إلى ما يوافق المحب ، وقد تكون المحبة بالحواس أو بالفعل ، أو بالإحسان كجلب نفع أو دفع ضرر . وظاهر الحديث طلب المساواة بين الناس ، والمساواة هدف من أهداف الإسلام ، وركن من أركان الإيمان ، وحقيقة المساواة تستلزم التفضيل ، فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل في جملة المفضولين . ومن مفهوم الحديث : أن من الإيمان كذلك : أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر . ومن الإيمان في الإسلام حب الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وفي الحديث : « فو الذي نفسي بيده ، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده » . وفي رواية عند أنس : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين » . ومقصوده صلى اللّه عليه وسلم هو حب الاختيار وليس حبّ الطبع . ومن لا يجد من نفسه ذلك الحب للرسول صلى اللّه عليه وسلم لا يكمل إيمانه ، فلما قال له عمر : لأنت يا رسول اللّه أحبّ إلىّ من كل شئ إلا من نفسي ! قال : « لا والذي نفسي بيده ، حتى أكون أحبّ إليك من نفسك ! » وهذا النمط من المحبة هو المحبة الراجحة ، أي التي ترجح على غيرها . وعنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون اللّه ورسوله أحبّ إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا للّه ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار » . رواه أنس . ومحبة اللّه على قسمين : فرض وندب ؛ فالفرض : المحبة التي تبعث على امتثال أوامره تعالى والانتهاء عن معاصيه ، والرضا بما قدّره ؛ والندب : أن يواظب على النوافل ، ويتجنّب الوقوع في الشبهات . وكذلك محبة الرسول صلى اللّه عليه وسلم على قسمين كما تقدم ، فلا يسلك إلا طريقته - أي طريقة الرسول صلى اللّه عليه وسلم - ويرضى بشريعته . ومن يجاهد نفسه على ذلك يجد حلاوة الإيمان . فهل للإيمان حلاوة ؟ أجل : هي استلذاذ الإيمان ، فتحصل له من خلال الطاعة محبة اللّه ، وكذلك الرسول . وحقيقة الحب في اللّه أن لا يزيد البر ولا ينقص بالجفاء . والإيمان بالقول وحده لا يتم إلا بانضمام الاعتقاد إليه ، والاعتقاد فعل القلب . وفي الآية :
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
( 225 ) ( البقرة ) أي بما استقر فيها ، فلا مؤاخذة إلا بما ينعقد به القلب ، والقلب مناط العلم ، والعقل للإدراك ، فما ندركه لا يدوم إلا إذا استقر في القلب ، وباستقراره فيه يصبح علما ، وكان الرسول صلى اللّه عليه وسلم إذا أمرهم من الأعمال بما يطيقون قالوا : إنا لسنا كهيئتك يا رسول اللّه . إن اللّه قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر . فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول : « إن أتقاكم وأعلمكم باللّه أنا » - فيظهر من قوله أن العلم باللّه درجات ، وأن البعض فيه أفضل من البعض ، وأن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم في أعلى الدرجات ، وأن العلم باللّه هو العلم بصفاته وأحكامه ومتعلقاتهما ، وهذا هو الإيمان حقا .