« وكان النبىّ يبعث إلى قومه ، وبعثت إلى الناس عامة » . وقد أرسل اللّه الرسل قبل محمد صلى اللّه عليه وسلم ، كلّا إلى قومه ، فنوح أرسله إلى قومه ( قوم نوح - الأعراف 69 ) ، وهود إلى عاد ( هود 60 ) ، ولوط ، وصالح ، ويونس ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، أرسلوا إلى أقوامهم ، إلا محمدا فكان نبىّ الكافة ، والجميع ، والناس كلهم ، ولذلك أرسل سنة 628 ميلادية إلى ملوك العالم الأربعة ، وهم الذين كانوا على سدّة العالم في زمنه : 1 - هرقل الثاني إمبراطور بيزنطة ، 2 - وكسرى أنو شروان ملك فارس ، 3 - والمقوقس حاكم مصر ، 4 - وملوك الحبشة ، وعمان ، واليمامة ، والبحرين ، والشام ، واليمن ، وأوصى مبعوثيه إليهم فقال : « إن اللّه بعثني رحمة وكافة » .
والخلاصة : أن كلمة « أمي » تعنى « الأممى » أي « العالمي » ، وما كان اللّه الذي يدعو إليه محمد هو « ربّ اليهود » كما في التوراة ، أو « ربّ عيسى » كما في الإنجيل ، وإنما هو « ربّ العالمين » .
* * *
236 . ما وجه الامتنان أنه كان أميا ؟
في الآية :
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( 2 ) ( الجمعة ) ، والأمّيون هم العرب ، من كتب منهم ومن لم يكتب ، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب ، وكانوا أغيارا ، أي غير يهود ، واسمهم في التوراة أميون ، والنبىّ صلى اللّه عليه وسلم كان عربيا خالصا ، لم يخالط دمه دم أممى ، وكان أميا لم يقرأ الكتاب أي التوراة والإنجيل ، فإن قيل : وما وجه الامتنان أن يبعث نبىّ أمي ؟
والجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء ؛ والثانية : لمشاكلة حاله لأحوال العرب فيكون أقرب إلى موافقتهم ؛ والثالثة : لينتفي عنه سوء الظن بأنه تعلّم مما قرأ من الكتب السابقة على القرآن ، ووعى ما فيها من حكم وقصص وأخبار وأحكام .
ومصطلح « أمي » إذن يعنى أنه كان من ثقافة مختلفة عن الثقافة اليهودية النصرانية . وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته : وأن القرآن لم يكن مسبوقا ، وأن محمدا لم يتلق علومه عن أحد سوى اللّه .
* * *
237 . هل افترى القرآن ؟
البرهان العقلي على كذب هذا الادعاء تنبّه إليه الآية :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ