إلىّ وأقربكم منى مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقا ، وإن أبغضكم إلىّ وأبعدكم منى مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدّقون والمتفيقهون » قالوا : يا رسول اللّه ، قد علمنا الثرثارون ، والمتشدّقون ، فما المتفيهقون ؟ قال : « المتكبّرون » . والثرثارون : هم المتكلمون في الكلام خروجا عن الحق ؛ والمتشدّقون : هم المتوسّعون في الكلام من غير احتراز ولا احتياط ، وهم المستهزءون بالناس يلوون أشداقهم ؛ والمتفيهقون : المدّعون العلم والحذق .
* * *
217 . محمد رحمة للعالمين
في الحديث : « إنما أنا رحمة مهداة » رواه أبو هريرة ، ومثله الحديث عند ابن عمر : « إن اللّه بعثني رحمة مهداة . بعثت برفع قوم وخفض آخرين » ، وأصل ذلك في القرآن الآية :
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ( 105 ) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ ( 106 ) وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
( 107 ) ( الأنبياء ) وقوله هذا بلاغ لقوم عابدين ، جعل من قوله :
الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
بلاغا عاما ، وقضية مسلّمة صحيحة ، فيها بشارة للصالحين ، والمبلّغ وهو محمد كان المبشّر ، ولأنه كذلك فقد كان رحمة لهم ، ثم قال تعالى :
قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
( 108 ) ( الأنبياء ) ، فأصل الدعوة كلها أن لا إله إلا اللّه ، وهي مضمون الوحي إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، والإيمان بلا إله إلا اللّه هو التسليم بالوحي ومضمونه ، والبشارة أن يرث المؤمنون الأرض ، يعنى أن يؤول إليهم الحكم وتصبح لهم الغلبة والسيادة . وإذن فالقول في النبىّ صلى اللّه عليه وسلم :
رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
هو من علم السياسة الإسلامية ، لأنه برحمة من اللّه بشّر المستضعفين ، وكما في الحديث : « بعثت برفع قوم وخفض آخرين » . والحديث : « إني رحمة بعثني اللّه ولا يتوفانى حتى يظهر اللّه دينه » . ويظهره في حياته وبعد مماته ، معناه من الناحية السياسية كقوله تعالى :
فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ
( 56 ) ( المائدة ) ، ومعناه من الناحية الأخلاقية : أن من آمن باللّه كتب له الرحمة ، ومن لم يؤمن عوقب مما أصاب الأمم من الخسف والقذف .
وفي هذه الناحية أيضا قال : « أيّما رجل سببته في غضبى أو لعنته لعنة ، فإنما أنا رجل من ولد آدم ، أغضب كما تغضبون ، وإنما بعثني اللّه رحمة للعاملين ، فأجعلها صلاة عليه يوم القيامة » ، يعنى سببا لأن تحط عنه بعض سيئاته . وفي ذلك رحمة وأي رحمة ؛ ولأنه رحمة قال :
« وأنا الماحي الذي يمحو اللّه بي الكفر » ، يعنى من يؤمن به فإن إيمانه يكون له رحمة . والآية إذن :
أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ( 105 ) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ ( 106 ) وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
( 107 ) ( الأنبياء ) تؤكد القول بأن الإسلام دين ودولة ، وأن ما في القرآن ويخصّ السياسة هو من الدولة ، وما فيه يخصّ الأخلاق هو من الدين .
* * *