تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1168

مساهمون:

ص١١٦٨
الخطى إلى الخير . والسعي مشقة تزيد في حالة ابن أم مكتوم بسبب عماه ، فهو إذا سار تحسّس طريقه ، وعانى أشد المعاناة ليصل إلى مبتغاه ، وفي الواقعة التي مدارها سورة عبس كان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم مشغولا بجماعة من أعيان قريش من ذوى المكانة واليسار ، فلمّا وصل ابن أم مكتوم لم يجده مهيئا لاستقباله ، ولا لتلقى أسئلته والجواب عليها ، وكان يجادل أعيان قريش لعلهم يهتدون فيهتدى بهم آخرون ، فقطع ابن أم مكتوم عليه حديثه معهم وظل يأتيه عن شماله وعن يمينه ليسأله ويلحّ في السؤال ، وظل يقول : يا رسول اللّه ! أرشدنى ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يريد أن يستكمل حديثه مع أضيافه ، فأشاح عنه ، وظل ابن أم مكتوم يلاحقه حتى تضايق منه ، وعبس ، وظل الرسول صلى اللّه عليه وسلم مع ذلك يقول لمحدثيه : يا فلان ! هل ترى بما أقول بأسا ! فيقول محدّثه : لا والدمى - يعنى والصنم وهو ما يتعبّده ، كقولنا : لا واللّه . ولم يكن هؤلاء الأعيان من الكفرة يرون إلا أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يجمع إليه أصحاب العاهات والزمنى والحمقى والسفلة والعبيد ، وفي ذلك قالت عائشة : إن رسول اللّه جعل يعرض عن ابن أم مكتوم ويقبل على الآخرين - تقصد القرشيين . وقيل : كان ممن تشاغل بهم عنه : الوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف ، وعتبة بن أبي ربيعة . وقيل : لم يكونوا جماعة بل شخصا واحدا فقط هو عمّه العباس . وقيل : بل كانوا جمعا ، ومنهم : عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، والعباس بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ، والوليد بن المغيرة . ومن الرواة من يسهب فيما كان يقوله ابن أم مكتوم وهو يقاطع النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، ومن ذلك كان يقول : يا رسول اللّه ، علّمنى مما علّمك اللّه ! وجعل يناديه باسمه يقول : يا محمد ! . وكل هذا باطل وبهتان ، فما عرف عن ابن أم مكتوم إلا الأدب والتبجيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ويعذر لعماه فلم يلحظ انشغال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، ولا مع من كان يتحادث ، وكانت الحادثة لذلك تذكرة للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم كما وصفها اللّه تعالى ، إلا أن المفسرين أسرفوا في نقد سلوك ابن مكتوم ، ووصفوه بسوء الأدب لذلك إن كان قد علم بعد لأي انشغال النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والحق أن ابن أم مكتوم كان يتمتع بحدس قوى وبوسعه أن يخمّن من كان يحادثهم رسوله ، وأن يلمس بنفسه انشغاله ، ولكنه فيما يبدو كان يرى أن مهادنة الكفرة ليست من السياسة ، وكان يتيه بإسلامه عليهم ويعتز به ويفخر ، وابن أم مكتوم عرف عنه لذلك أن عماه في بصره وليس في قلبه ، ووصفه ربّه خير وصف فقال :
وَهُوَ يَخْشى
( 9 ) ، والذي يخشى اللّه هو التقىّ ، والتقوى جوهر الإيمان ، وهي الإسلام في حقيقته ، وعلى عكس ذلك كان وصفه تعالى لموقف النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بقوله :
فَأَنْتَ عَنْهُ