تَلَهَّى
( 10 ) ، أي يعرض بوجهه ويشغل بغيره ، وأصلها تتلهى ، تقول لهيت عن الشيء ألهى ، أي تشاغلت عنه ، والتلهّى التغافل ، وقوله تعالى :
كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ
( 11 ) كلمة ردع وزجر ، أي لا تفعل مثلها بعد ذلك أبدا ، وما فعله النبىّ صلى اللّه عليه وسلم هو أنه أقبل على الغنىّ الكافر ، وأعرض عن المؤمن الفقير ، والدرس المستفاد من القصة : أن الإسلام دين مساواة لا يحابى الأغنياء على حساب الفقراء ، ولا يحفل بالأشراف ويتناسى الضعفاء ، ولا يخشى المستقويين ويستقوى على المستضعفين ، فالناس في الإسلام سواء ، من كان منهم فقيرا أو غنيا ، ومن كان من الكبراء أو من الصغراء ، ومن الرجال أو من النساء ، ومن الأعيان أو الهمّال ، فإن أردت تطبيقا للمساواة في العالم كله ، فليس أوضح ولا أحسن من واقعة أعمى سورة عبس في القرآن ، وليس أكبر من ذلك كلام في المساواة ، والحادثة جليلة ، فمن شاء أن يتّعظ بها فليتذكر هذا الفقير المعوّق الأعمى ، كيف رفعه الإسلام ، فذكره في صحف القرآن المكرمة ، كتبها سفرة بررة ، أسفروا عنها ووضّحوها ، وربما المقصود بهم الملائكة ، حفظوا الحادثة في كتاب لا يضيع ولا يبلى ، أو أنهم أصحابه صلى اللّه عليه وسلم ، الكاتبون لآيات التنزيل ولم يكن العتاب للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم مع ذلك إلا عتاب المحب لحبيبه ، أو المعلم لتلميذه ، وأخبر القرآن عنه بالغائب وقال
عَبَسَ وَتَوَلَّى
ولم يقل « عبست وتوليت » ، تعظيما لشأن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، ثم واجهه بالخطاب تأنيسا له فقال :
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى
( 3 ) ، أي ما يعلمك أنه قد جاءك يستزيدك من العلم بالدين فيزداد طهارة وتزول عنه ظلمة الجهل ؛ أو أن الاستفهام في الآية يعنى : هل بإعراضك عن المؤمن ، تظن أن الكافر سيهتدى كما تطمع ؟ ويروى أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بعد هذه السورة ، كان إذا رأى ابن أم مكتوم قادما إلى مجلسه ، بسط له رداءه يقول : « مرحبا بمن عاتبني فيه ربّى » ، وكان يسأله على الدوام كلما رآه وسلّم عليه : « هل من حاجة ؟ » واستخلفه على المدينة في ثلاث عشرة غزوة ، وكان ابن أم مكتوم يصلى بالناس وهو أعمى ، ويخطب إلى جنب المنبر ، ويجعله على يساره ، وكان إذا حضر النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أذّن بلال ، وأقام ابن أم مكتوم ، وربما يؤذن ابن أم مكتوم ويقيم بلال ، وفي رمضان كان بلال ينادى بليل ، فأمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم الناس أن يأكلوا ويشربوا حتى ينادى ابن أم مكتوم ، وكان بسبب عماه لا ينادى حتى يقال له :
أصبحت أصبحت - يعنى ينبّهوه أن الفجر قد حان - وكان يتوّخاه ولا يخطئه .
وهذا الأعمى الذي يخشى اللّه تعالى وتحدّث فيه القرآن بما تحدّث ، وأعلى من قدره ، ورفعه إلى السماكين ، لم يستنكف اليهود أن يشنّعوا عليه ، فقالوا إنه قتل يهودية من أهل المدينة كانت ترفقه - يعنى ترشده في سيره ، ولكنها كانت تؤذيه في دينه وتسخر منه ،