تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1135

مساهمون:

ص١١٣٥
فضلت عن الآكلين من خمسة أرغفة الشعير ، فلما عاين الناس الآية التي عملها يسوع ، قالوا : في الحقيقة هذا هو النبىّ الآتي إلى العالم ! » . ( يوحنا 6 / 4 - 14 ) . وكما ترى فإن الروايات النصرانية في هذه المائدة مختلفة بشدة ، فمرة الأرغفة سبعة واليسير من السمك ، والآكلون أربعة آلاف سوى الصبيان والنساء ، والمتبقى من الطعام يملأ سبع سلال ؛ ومرة الأرغفة خمسة ، والسمك اثنتان ، والناس نحو خمسة آلاف ، والمتبقى من الطعام يملأ اثنتي عشرة قفة ، وفي الروايتين أنهم كانوا في صيام ، وأن المدعوين هم الفقراء والمحتاجون . والدرس المستفاد هو ما قاله الناس : « هذا حقا هو النبىّ الآتي إلى العالم » ! وأما رواية القرآن فتأتي في سورة المائدة ، وتتسمى السورة باسم هذا الحدث الفريد والمعجزة الخارقة ، فلما آمن الحواريون وأشهدوا عيسى بإسلامهم ، وكانوا في صيام ، سألوه أن يدعوهم إلى طعام من عند اللّه ، قالوا :
يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 112 ) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 113 ) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 114 ) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ
( 115 ) ( المائدة ) . وقولهم : « هل يستطيع ربّك » ليس شكّا في اللّه ، ولكن بمعنى « هل يطيعك ربّك إن سألته أن ينزّل عليك مائدة ؟ وما كان ينبغي أن يسألوه هذا السؤال ، إنما لأنهم كانوا في ابتداء استنصارهم ، ولذلك ردّ عليهم عيسى : « اتقوا اللّه إن كنتم مؤمنين » ، لمّا سمع غلطهم وتجويزهم على اللّه ما لا يجوز ، لأنهم كانوا كحواريين خلصاءه وأنصاره ، كما قال :
مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ
( 52 ) ( آل عمران ) ، فكان ينبغي عليهم وهم الذين بلغهم من نبيهم ما يجب للّه وما لا يجب ، أن لا يقولوا ما قالوا ، كقول بعضهم لمّا سألوا النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ، وهي شجرة كان المشركون يتباركون بها وينوطون بها سلاحهم ، أي يعلقونه ، ويعكفون حولها ، فسألوه أن يجعل لهم مثلها . وكذلك فعل قوم موسى لمّا قالوا :
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
( 138 ) ( الأعراف ) . ولم يكن الحواريون يتعللون لعيسى ، فهم مؤمنون عارفون عالمون ، وإنما المعنى كما قد تسأل عزيزا لك معروفا فتقول له : هل تستطيع أن تفعل هذا ؟ وأنت تعلم أنه يستطيع ، والحواريون علموا ذلك علم دلالة وخبر ونظر ، فأرادوا أن يكون علمهم علم معاينة ، كما قال إبراهيم :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
( 260 ) ( البقرة ) ، وكان إبراهيم يعلم علم خبر ونظر ، فأراد المعاينة التي لا يدخلها الريب