تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1092

مساهمون:

ص١٠٩٢
وقتها » ، وفي الحديث عن التوبة : « إن اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » ، والغرغرة هي الحشرجة ، وذلك هو حال التلبّس بالموت . ولقد وصف اللّه تعالى العذاب الذي كشفه عن أهل نينوى بأنه عذاب الخزي ، لأنهم لم يعاينوه ، وإنما وعدهم به يونس . وفي ذلك قال علىّ بن أبي طالب : إن الحذر لا يردّ القدر ، وإن الدعاء ليردّ القدر ، وذلك أن اللّه تعالى يقول :
إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
( يونس 98 ) ، وتخلص قصة القرآن إلى ما نخلص إليه منطقيا ، وربما غاب عن يونس عندما تسرّع ووعد أهل نينوى العذاب : أن اللّه لا يفرض الإيمان على الناس ، ولو شاء ذلك لآمنوا ، ويتساءل :
أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
( 99 ) ( يونس ) والخطاب للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، والسؤال دليل على أن سبيل الإسلام ليس الإكراه على الإيمان ، والمرء في الإسلام حرّ أن يختار أن يؤمن أو يكفر ، وفي ذلك ردّ على دعاوى أن الإسلام قام على القهر ، وبعد الرسول صلى اللّه عليه وسلم يكون الخطاب للدعاة ، فالدعوة إلى الإسلام قوامها أن يختار المدعو في حرية ، مثلما فعل قوم يونس ، فلم يقسرهم اللّه على الإيمان بعذاب أنزله بهم ، وإذا كان يونس قد استنزل العذاب على قومه ، فإن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قد عذر قومه ودعا لهم . والإيمان قضية عقل ، ولذا يقول تعالى عقب هذه الآيات :
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
( الإسراء 101 ) ، والنظر الذي يأمر به اللّه كسبيل إلى الإيمان من اختصاص العقل ، ولذا قال تعالى :
وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
( 100 ) ( يونس ) ، أي لا يعملون عقولهم وأفهامهم ، ولا يعتبرون ، والرجس هو العذاب . وفضيلة قوم يونس أنهم اعتبروا بسرعة وفهموا في الوقت المناسب . فتلك إذن فضائل قصة يونس كما أوردها القرآن ، لا تقارن بها قصة التوراة ، ولا بما استخلصه النصارى منها لإثبات الفداء ، ولهذا كان الإسلام دينا قيّما ، والقرآن كتابا مهيمنا . * * *

893 . قصة لقمان الحكيم

كلام المستشرقين في لقمان كثير ، ولمّا لم يجدوا اسمه في التوراة - وكل شئ في القرآن يريدون أن ينسبوه إلى التوراة - قالوا تسخيفا لشأنه ، واستهزاء بأمره ، أنه شخصية أسطورية من عصور الجاهلية العربية ، يسمونها إمعانا في تحقيرها - ببربرية العرب ، أو همجيتهم ، أو وثنيتهم
paganism
. والذين تناولوا قصة لقمان اعتبروها من الفولكلور العربي ، وأنكروا أن يكون هناك شخص حقيقي باسم لقمان ، واعتبره المستشرق رينيه باسيه مستعربا من أصول حبشية أو سودانية ، وقال في وصفه عن المصادر العربية : أنه كان