تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1095

مساهمون:

ص١٠٩٥
الألوهية ، وأوصاف اللّه ، ومعنى النبوّة . . . إلخ ، وكل النظريات الحديثة من نوع الحكمة النظرية ؛ وحكمة عملية : تهتم بالسلوك . والقرآن به الحكمتان ، والآيات من سورة لقمان التي تطرح فلسفة أو حكمة لقمان ، هي من نوع الحكمة العملية . ولقمان فيما يعرض من هذه الحكمة لم يكن نبيا ولكنه عبد صالح يتولى تربية ابنه التربية الدينية الدنيوية ، وحكمته نتيجة تفكيره وثمرة خبرته في الحياة ، وحسن يقينه ، وقوة اعتقاده في اللّه ، يقول لابنه واعظا :
أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
( 12 ) ( لقمان ) ، والشكر في حقيقته هو الثناء على المحسن بما أولانا من المعروف ، وترك الشكر للناس هو كفران نعمة الناس ، وترك الشكر للّه هو كفران لنعمة اللّه . والشكر للّه يكون بطاعته على ما أمر ، وألّا يعصى بنعمه . وحقيقة من يشكر للّه أنه يشكر لنفسه ، يعنى أنه عندما يشكر اللّه فإنه يثنى على نفسه ، ويستزيده تعالى من نعمه ، فإن لم يشكره فإنه لن ينقص اللّه شيئا ، ولكنه ينقص نفسه أشياء ، واللّه مستغن عن الشكر . والشكر للّه هو باب الحكمة ، وتدخل ضمن هذا الباب المواعظ ، ومواعظ لقمان من أشهر المواعظ ، وبداية أية مواعظ هو الدعوة لتوحيده تعالى ، والنهى عن الشرك به ، وهذه الموعظة هي الملح الذي بدونه لا يحلو الطعام ولا الكلام . والشرك ظلم ، وهو أكبر الظلم للّه بأن نجعل له ندا ، ولأنفسنا بأن نضلّلها ونفسد فطرتها ، ولمن حولنا ، لأن الشرك باللّه دعوة للآخرين أن يحذو حذونا وأن يقتدوا بنا فيضلوا بضلالنا . وسبب هذه الآيات عن لقمان ، أن بداية سورة لقمان كانت عن طبقة من المؤمنين هم المحسنون الذين يعملون الصالحات ، كقوله :
تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ ( 2 ) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ
( 3 ) ( لقمان ) . مقارنة بالظالمين الذين ضلوا عن الإيمان ، مع أن الكون كله يحفل بالآيات الدالة على وجوده تعالى وواحديته . فلما ذكر هؤلاء تطرّق الحديث إلى لقمان الذي كانت هذه الدعوة هي دعوته ، وكان على رأس قائمة هؤلاء المؤمنين المحسنين . والظالمون الذين عناهم اللّه تعالى بقوله تعالى :
بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( 11 ) ( لقمان ) هم المشركون به ، فكانت عبارة لقمان :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
( 13 ) ( لقمان ) استطرادا لمقولته تعالى عن الظالمين . ولقمان مهمته الوعظ ، لأنه حكيم ، واختار لذلك أن تأتى عظاته كما لو كانت وصايا لابنه ، وهو نوع
genre
من الكتابات الأدبية ، أو أدب الحكمة ، يتخيل فيه الكاتب أنه يخاطب ابنه ، وينزل بذلك القارئ منه منزلة الابن من أبيه ، والابن الأقرب إلى أبيه ، والأكثر حاجة لمواعظه ووصاياه ونصائحه ، ويختصه الأب بأفضل ما يعرف ، والإيمان باللّه هو أفضل وأحكم المعارف ، ولقمان في هذه القطعة الأدبية اختار أن يوصى ابنه بربّه ، وأن يحذّره من الشرك ، ويعلّمه