يونس دليل على أن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر ، والتسبيح باللسان لا بد فيه أن يوافق الجنان ، وفي الحديث : « من استطاع منكم أن تكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل » ، والعمل الصالح المخفىّ هو ذخر ليوم الفاقة والفقر . والتسبيح أنجى يونس ، فنبذ بالعراء - أي الصحراء ، وهو سقيم ، أي كالمنفوس ، وفي الآية الأخرى :
لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ
( 49 ) ( القلم ) ، يعنى أنه على الحقيقة لم يكن مذموما ، وكان مرضيا عنه رغم كل شئ ، ولذلك قيل :
فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
( 50 ) ( القلم ) أي اختاره ، والاختيار لا يكون إلا للأصفياء ، ولذا أنبت اللّه تعالى اليقطين يظله بها ويطعمه بلحمها ، حتى تقوّى فأرسله إلى أهل نينوى وكانوا مائة ألف أو يزيدون ، والعدد هنا للتقدير وليس للحصر . وفي العفو عنهم تأتى الحكمة البليغة في القرآن عنهم في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( 96 ) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 97 ) فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ( 98 ) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 ) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
( 100 ) ( يونس ) وهي آيات من جوامع الكلم ، وفيها المواعظ والعبر والدروس المستفادة ، فما من قوم يغضب اللّه عليهم إلا بمعصيتهم ، وأمثالهم مهما سقت إليهم من الدلائل والبراهين لا جدوى معهم إلا أن يأخذهم اللّه بالشدّة ، إلا قوم يونس ومن على شاكلتهم ، فكاد اللّه يأخذهم بالعذاب ، لولا أن تابوا قبل أن يعاينوه ، فنجّاهم اللّه لمّا آمنوا ، وقبل أن ينزل بهم البلاء . ونفيد من ذلك أن المعاينة التي لا تنفع معها التوبة هي التي يكون العذاب فيها متلبسا كما في قصة فرعون :
حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 90 ) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ( 91 ) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ
( 92 ) ( يونس ) ، وكانت لذلك قصة يونس تالية على قصة فرعون ، لأن فرعون « آمن حين رأى العذاب » فلم ينفعه إيمانه ، بينما قوم يونس « تابوا قبل أن ينزل بهم العذاب » ، ونزوله - أي العذاب - مرهون بغضب اللّه ، فكان ذلك دليلا على أن اللّه تعالى لم يكن قد غضب منهم بعد . وتدحض هذه المواعظ في القصة القرآنية دعوى نولدكه أن القصة التوراتية لم تعجب محمدا إلا للحوت الذي بها والذي يصنع منها « قصة للأطفال » ! وإنما جاءت صياغة القصة القرآنية صياغة تستدعى التدبّر والتفكّر وتدفع إلى الاستنباط ، فكانت قصة عظيمة بكل المقاييس ، وهو ما تفتقده قصة التوراة . ولعل أبرز ما في قصة القرآن قولها « بالتوبة في