تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1074

مساهمون:

ص١٠٧٤
على قدر الجسد . وجاء الهدهد بالعذر ولكنه مع ذلك مكث غير بعيد عن سليمان ، وقال له :
أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
( 22 ) ( النمل ) ، وقوله ردّ على من يقول إن الأنبياء يعلمون الغيب ، ولا يعتدّ بأنه مقالة طير ، فمنطق الهدهد كان منطق الحال . ثم أفضى لسليمان بما أحاط به من أمر المرأة التي تملك شعبها ، وقد أوتيت من كل شئ ، ولها عرش عظيم ، وأنها وشعبها يسجدون للشمس . والقصة رمزية ، لأن الهدهد تعجّب من تعبّدهم لغير اللّه ، واستعظم أن يسجدوا لغيره ، وهو الذي يعلم غيب السماوات والأرض ، ويعلم ما يعلنون وما يخفون . ولم يسارع سليمان بتصديقه ولا تكذيبه وإنما قال :
سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ
( 27 ) ( النمل ) ، وهو دليل على أن الحاكم والقاضي لا يجب عليهما أن يقبلا عذر الناس ويدرءا العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم . وكتب سليمان كتابا ، وأمره أن يحمله الهدهد إلى قوم هذه المرأة ، فيلقيه إليهم - وهم أهل هذا الدين الآبق الذين يعبدون الشمس ، وأبدى الغيرة على دينه ، وبنى الخطاب في الكتاب على لفظ الجمع ، وهكذا حمل الهدهد الكتاب إلى أن ألقاه على الملكة ، وتناولته فراعها ، ونظرت من أحضره فرأت الهدهد ، فتولى عنها حين أبصرته كما أمره سليمان ، وظل مع ذلك قريبا ليرى مراجعتهم للكتاب . ونفهم أن الداعية إلى اللّه له أن يستخدم كل الطرق لإبلاغ الدعوة ، وأن له أن يرسل الكتب إلى الأعداء ، كما أرسل النبىّ صلى اللّه عليه وسلم إلى كسرى وقيصر . وقول الهدهد :
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
( 23 ) ( النمل ) عبارة موجزة جمعت كل أخبار يمكن أن يجمعها جاسوس عن بلد عدوه : أحواله في السياسة والحكم ، وفي المال والاقتصاد ، وفي الفنون والعلوم ، والآية تنبئ أن هذه المملكة راسخة الملك ، عظيمة الشأن ، وطيدة الأركان . وهنا ينتهى دور الهدهد ، ولا ينتهى دور المواعظ في هذه القصة الرائعة : قصة الهدهد وسليمان . ( انظر أيضا قصة ملكة سبأ مع سليمان ، وقصة النملة مع سليمان ) * * *

886 . قصة هارون وماروت

كلام المستشرقين في هذه القصة كثير ، ويفترضون أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم قد اقتبسها من المدراش اليهودي ، وأنه كان يقرأ العبرية والسريانية ، وأنه في كتابىّ إينوخ وباروخ شئ من تلك القصة في سقوط الملائكة ، ولم أجد في أي من هذه الكتب شيئا من هذا الذي ادّعاه فينسنك . واسم هاروت : قيل من هرت ، أي تكلم بالقبيح ولم يحفظ سرا وأكثر من الكلام ؛ وماروت : من مرت ، فهو المضطرب الأحوال ، المشتّت الذهن ، الممزّق النفس . وأن يأتي الاسمان على نسق واحد ، منه في القرآن : طالوت وجالوت ، ويأجوج ومأجوج .