تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1045

مساهمون:

ص١٠٤٥
سند من التاريخ أو المراجع العلمية يؤيد أقوالهما وما ذهبا إليه ، وصار ما قالاه هو السند والمرجع لمن يتصدّى بالتفسير لهذه الآيات . وتستغرق قصة أصحاب القرية في القرآن سبع عشرة آية ، ويستغرق التعليق عليها ثلاث آيات ، فيكون مجموع آيات القصة ، والدرس المستفاد منها عشرين آية ، أي نحو ربع سورة يس ، وتأتى في سياق تحذير أهل مكة من مغبة الكفر بنبيّهم صلى اللّه عليه وسلم ، وتشبّههم بأصحاب هذه القرية ، وهي ليست قرية بعينها ، فلو كان اسمها مهمّا لأوردته السورة . وفي القصة أن اللّه بعث لهم نبيّين فكذبوهما ، فعززهما بثالث ، فيحتمل أن النبيّين هما موسى وهارون ، وأن الثالث هو عيسى ، وأن القرية إذن هي العالم بأسره . وفي تفسير كعب ووهب أنها أنطاكية . وقيل : كان يحكمها فرعون اسمه انطيخس ، والفرعون اسم على إطلاقه ، ويعنى الطاغية المستبد . ويذهب الطبري ، وهو الآخر من أساتذة الإسرائيليات ، إلى أن الرسل الثلاثة إلى هذه القرية كانوا : « صادق » ، و « صدوق » ، و « سلوم » . وقال غيره : الاثنان هما « شمعون » و « يوحنا » ، أو أنهما « سمعان » و « يحيى » . ويجوز أن تكون القصة من باب الأمثال تضرب للناس للعظة وليست قصة واقعية ، وتقع كالمثل كل يوم ، فالداعون إلى اللّه كثر ، والمكذّبون لهم أكثر ، والسجون ملأى بآلاف الداعين ، ومنهم من يحكم عليه بالإعدام ، ومنهم من تصدر الأوامر إلى الشرطة بقتلهم قصدا وعمدا ، فالقصة تحصيل حاصل ، ووقوعها من الأخبار العادية حيثما كانت الدعوة إلى اللّه . وقيل : إن القصة حقيقية فعلا ، ووقعت لبعض رسل عيسى عليه السلام ، وأنهما اثنان كانا يدعوان له باعتباره اللّه أو ابن اللّه ، ولهذا قالوا لهما
ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
( يس 15 ) ، لأن رسل عيسى كانوا يشيعون أن روح القدس يسرى فيهم ، وأنهم أوتوا المعجزات بالوكالة عن عيسى . غير أن القرآن لا يمكن أن يستشهد بداعيين لعيسى باعتباره إلها ، فبحسب القصة في القرآن أن الرسولين كانا على الحق ، وأن الثالث الذي عزّزهما أيّد ما جاءا به ، والقصة تأتى في القرآن في مجال أن يضرب النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بها المثل لمشركي مكة ، أن يؤمنوا ، وإلّا حلّ بهم ما حلّ بكفّار هذه القرية ، فكيف يضرب لهم مثلا بأناس يدعون إلى تأليه عيسى ؟ وقيل في التفاسير : إن وهب بن منبّه ذكر أن عيسى لمّا أرسل الرسولين التقيا شيخا يرعى غنيمات له ، وهو حبيب النجّار ، « صاحب يس » فاستمع لهما ، وأتيا المعجزات فآمن . وواضح أن كعبا ووهبا لم يقرءا الأناجيل ، فقد كانا في الأصل يهوديين ، وفي الأناجيل قصة ربما تشابه هذه القصة وإن كانت الخلافات بين الأناجيل أكثر من المشابهات ، وربما تفسّر سبب استهواء أنطاكية للمفسرين ، فلقد كانت أنطاكية مركزا من مراكز المسيحية الكبرى بعد أورشليم ، والواقع أن لدينا مدينتين باسم أنطاكية أسّسهما
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1045 | عبد المنعم الحفني