وأخذ العجل وحطّمه وأحرقه وذرّاه على الماء وسقى منه الشعب كعقاب ، واعتذر هارون بأنه ما كان له إلا أن يفعل ما فعل ، بالنظر إلى فساد هذا الشعب ، فلما طلبوا إلها صنع لهم هارون واحدا ابتهجوا به ، ورقصوا حوله عراة . ولا تذكر لنا التوراة : لما ذا اختار هارون للإله أن يكون في شكل عجل ؟ ولما ذا من ذهب ؟ ولما ذا حالة العرى التي صاروا إليها حوله ؟
والدراسات النفسية والتحليل النفسي يثبتان بدائية هذا الشعب وحيوانيته ، وماديته وفساده ، حتى أن الربّ قال فيهم : « هم شعب قساة القلب » ، وقال فيهم هارون إنهم « شعب من الأشرار » ، ورغم أنهم أبدوا التوبة فإنهم عادوا إلى المعاصي ، وكأن موسى بعد أن أحرق العجل وذرّاه على الماء وسقى منه الشعب ، قد أشربهم العجل ، يعنى طبعهم على الجحود والظلم ، فصارا في دمائهم وتخللا الشخصية اليهودية .
وحكاية القرآن عن العجل مختلفة تماما ، وهارون مبرّأ منها ، والمتهم هو السامري ( انظر قصة السامري ) . يقول تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ
( 152 ) ( الأعراف 152 ) ، والذلة : لأنهم ابتدعوا العجل رمز المذهب المادي ، وأشربهم موسى ماءه ليعرفوا به . وكانوا سرّاقا ، سطوا على زينة الأشوريين في أرض جاسان وسلبوها ( خروج 12 / 35 - 36 ) ، وذلك دليل على أنهم كانوا منهم فجميعهم ساميون ، وقذفوا الزينة - يعنى الذهب - في النار ، وصاغ لهم السامري منه العجل ، وقيل : كان السامري قد أبصر جبريل وهو يعبر بهم البحر ، فقبض قبضة من التراب من أثره ، فألقاها في ذوب الذهب ، فصار كأنما العجل دبّت فيه الحياة ، إلا أنه مجرد معدن وإن كان له خوار إذا صوّتوا فيه . والخوار هو صوت العجول ، وقيل : كانت الريح إذا اخترمت العجل تصوّت ، فكأنما العجل يخور . وقيل إن هارون مرّ به وهو يصنع العجل ، فدعا له ، وبدعوة هارون صار للعجل خوار ، قال :
هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى
( طه 88 ) ، فلو لا ميلهم إلى التشبيه ما صدّقوا ، ولكنهم كانوا أول مشبّهة في التاريخ ، وقال السامري عن العجل :
بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
( 96 ) ( طه ) ، وقال موسى عنه للسامري :
وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً
( 97 ) ( طه ) ، وقيل لذلك : إن اليهود صارت لهم من يوم عبادة العجل مشكلة أو مسألة يقال لها المسألة اليهودية ، ولا حلّ لها إلا بإلغاء الملكية الفردية ، وأن تكون الملكية جماعية ، وأن يلغى رأس المال الخاص ويعمّم رأس المال العام ، فبذلك وحده تنتهى أسطورة عجل اليهود الذهبي ، أو عبادة اليهود للمال وجمعه ولو أدّى الأمر إلى سرقته وخراب الشعوب ودمار المجتمعات .
* * *