أنهم رجعوا إلى التوراة ، إلا أن ذلك كان فيما يبدو صعبا فلم يكن هناك شئ متاح عن السامرة ، ونسخة التوراة السامرية مثلا ، وهي التي يتعبّد بها أهل السامرة من فلسطين ، لم تترجم إلى العربية إلا في القرن الحادي عشر الميلادي ، يعنى لم تكن في متناول هؤلاء المفسرين ، وجهلهم قد يعذر لذلك . والسامرة اسم عبراني معناه مكان الحارس أو الديدبان ، وهي موطن السامريين ، وعاصمة عشرة من الأسباط بنوها أيام عمرى بن أخاب ملك إسرائيل بحسب التوراة اليهودية ، وعمرى - كما تقول التوراة - كان ملكا من سنة 876 إلى سنة 842 قبل الميلاد ، وكان صاحب الأرض التي بنى عليها مدينته يدعى شامر أي حارس ، ومحتمل أن الحراسة كانت عمله ، وسميت المدينة بهذا الاسم ، وأضيف أهلها إليها فهم لذلك السامريون . وتقع المدينة على تل اسمه عمرى شوميرون ، وكان لها برج عظيم ، وسمى الجبل الذي أقيمت عليه جبل السامرة . وإقليم السامرة وسط فلسطين بين الجليل في الشمال واليهودية في الجنوب . ومنذ البداية كانت السامرة مدينة وثنية ، وبنى فيها آخاب هيكلا للبعل ، وظلت الوثنية سائدة حتى عهد يا هو ، ومارس السامريون عبادة الأصنام وخاصة العجل ، وادّعوا أن الهيكل في جزريم وليس في أورشليم ، واستحكم لذلك الخلاف بينهم وبين اليهود . وتختلف التوراة السامرية عن النصّ العبري في نحو ستة آلاف موضع . فهذا هو الخلاف بين السامريين والعبرانيين ، لكن لما ذا هم منبوذون ؟ لا أحد منهم يدرى ، وإنما القرآن هو الذي قصّ القصة ، وبيّن أن النّبذ كان عقابا للسامريّ ، فإنه قد عاش في أرض ساجان من مصر ، وعاشر الهكسوس ، وكان من عبدة الأوثان ، فرأى بعد موسى أن يصنع اليهود صنما يتعبّدون له كما في مصر ، إيثارا منه للعيني عن المجرّد ، وللحاضر عن الغائب . وكان جبريل قد أتى موسى ، فرأى السامري رؤية البصير أثره في التراب ، فقبض منه قبضة ، ولمّا رأى أنهم يريدون صنما عجلا يحتفلون حوله ، طلب إليهم أن يخففوا عن كاهلهم أحمال الذهب الذي سرقوه من أهالي جاسان من المصريين وغيرهم ، فصهره وسبكه عجلا له جسد العجل وليس له روح ، وله خوار أو صفير إذا حرّك أو دخله الهواء ، وقال لهم : هذا إلهكم وإله آبائكم . فانظركم الفرق بين الرواية في التوراة والرواية في القرآن ! وكيف هي مسطّحة وجرداء قاحلة في التوراة ، بينما لها أبعادها وأعماقها وأهدافها الإيمانية في القرآن ! وكيف تجنّى جولدتسيهر على القرآن والنبىّ صلى اللّه عليه وسلم عندما قال : إن محمدا مدين بالقصة لبقايا اليهود من السامريين في المدينة . ثم الأعجب أن جولدتسيهر وقد فهم من القرآن عقاب موسى للسامري ، وهو العقاب الذي يؤرّخ لنبذ اليهود للسامريين ولم يعرف اليهود أسبابه ، لم تأته الشجاعة الأدبية ولا الأمانة العلمية أن
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1011
مساهمون: عبد المنعم الحفني
ص١٠١١