الاستشفاء بتربة المدينة
عن عائشة رضي اللّه عنها أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان ممّا يقول للمريض ببزاقه بإصبعه : « بسم اللّه ، تربة أرضنا ، بريقة بعضنا ، يشفي سقيمنا ، بإذن ربّنا » . [ متفق عليه ] .
* الشّرح : ( ببزاقه بإصبعه ) أي كان يأخذ من ريقه على إصبعه شيئا ثمّ يضعها على التّراب فيتعلق به منه شيء ، فيمسح بها على الموضع الجريح .
( تربة أرضنا ) أي هذه تربة أرضنا . ( بريقة بعضنا ) يدلّ على أنّه كان يتفل عند الرقية .
قال النوويّ : معنى الحديث أنّه أخذ من ريق نفسه على إصبعه السّبابة ، ثمّ وضعها على التّراب فعلق به شيء منه . ثمّ مسح الموضع العليل أو الجرح ، قائلا الكلام المذكور في حالة المسح . ( يشفي ) على بناء المفعول . متعلق بمحذوف أي قلنا هذا القول ، أو صنعنا هذا الصنيع ليشفي سقيمنا . ( بإذن ربّنا ) متعلق بقوله يشفي .
* قال الحافظ ابن القيم : هذا من العلاج السهل الميسر النافع المركب وهي معالجة لطيفة يعالج بها القروح والجراحات الطريّة لا سيما عند عدم غيرها من الأدوية إذ كانت موجودة بكلّ أرض . وقد علم أنّ طبيعة التّراب الخالص باردة يابسة مجففة لرطوبات الجروح والجراحات التي تمنع الطبيعة من جودة فعلها وسرعة اندمالها لا سيما في البلاد الحارّة وأصحاب الأمزجة الحارّة ، فإنّ القروح والجراحات يتبعها في أكثر الأمر سوء مزاج حارّ فتجتمع حرارة البلد والمزاج والجراح ، وطبيعة التّراب الخالص باردة يابسة أشد من برودة جميع الأدوية المفردة الباردة ، فيقابل برودة التّراب حرارة المرض لا سيما إن كان التّراب قد غسل وجفّف ، ويتبعها أيضا كثرة الرطوبات الردية والسّيلان .
والتّراب مجفف لها مزيل لشدّة يبسه وتجفيفه للرّطوبة الرّدية المانعة من بردها ويحصل به مع ذلك تعديل مزاج العضو العليل ، ومتى اعتدل مزاج العضو قويت قواه المدبّرة ودفعت عنه الألم بإذن اللّه .