وأمّا خطّ الدّفاع الثّالث فهو الدّم بجنوده من الكريات البيضاء ، وعدد هذه الكريات التي هي جنود خط الدّفاع الثّالث « خمسة وعشرون مليون » كرية في أيّام السّلم ، ويتضاعف هذا العدد في حال الاستنفار ، وقد يصل إلى مئات الملايين ، في حال القتال ، في فترة لا تتجاوز السّاعات ، أو الأيام ، ولهذه الجيوش الجرّارة من الكريات البيضاء سلاح إشارة مؤلف من بضع مواد كيماوية ، يعدّ وسيلة الاتّصال ، والتّفاهم فيما بينها .
أما خطة جهاز المناعة في الدّفاع عن الجسم فهي من الدّقّة ، والتّنسيق ، والفعالية ، والذّكاء الخارق ، حيث يصعب تصديقها ، إنّها خلايا الدّم البيضاء ، كما قال بعض العلماء ، إن في نظام عملها ، أو في توزيع الأدوار القتاليّة على أفرادها ، أو في تحقيق المهمّات المنوطة بها ، فبعد ثوان معدودات من اجتياز أيّ جسم غريب لخطوط الدّفاع الأولى والثانية ، تتوجه إلى الجسم الغريب ، وثمة كريات مهمّتها أخذ الشّفرة الكيماوية الخاصة بهذا العدو ، والاحتفاظ بها ، ثمّ نقلها إلى المراكز الليمفاوية ، حيث تقوم الخلايا المحصّنة بتفكيك رموز هذه الشّفرة تمهيدا لصنع المصل المضادّ لها .
وبعد صنع المصل المضادّ تتوجه الخلايا المقاتلة حاملة هذا السّلاح ، وهو المصل ، لتهاجم به الجسم الغريب ، وبعد أن تصرعه بهذا السّلاح الفعّال تأتي الخلايا اللاقمة لتنظيف ساحة المعركة من بقايا جثث الأعداء ، ليعود الدّم كما كان نقيّا سليما ، وهذه الكريّة البيضاء التي هي العنصر الأساسي في جهاز المناعة لا يزيد قطرها عن خمسة عشر ميكرونا
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
[ التين : 4 ] .
أمّا قوله سبحانه :
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
[ التين : 5 ] . فحينما ينحرف الإنسان عن منهج ربّه ، ويستجيب لنداء غريزته من دون ضابط من شرع ، أو رادع من فطرة ، أو زاجر من عقل ، يبطل عمل هذا الجهاز ، ويموت الإنسان لأدنى مرض ، وما مرض نقص المناعة المكتسب الّذي يهدّد العالم المتفلّت إلّا تأكيد لهذه الحقيقة :
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
.
ربّما كان تركيز الآيات على الجانب الرّوحي من الإنسان ، لأنه مهيأ - إذا عرف ربّه ، وسار على منهجه ، وتقرّب إليه بالعمل الصّالح - أن يبلغ من الرّفعة ما يفوق الملائكة المقرّبين :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
أما إذا أعرض عن ربّه سبحانه ، وتفلّت