تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة اخلاق القرآن — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
درء السيئة ودفعها لا أطماعها واستعلاءها ، وأما حين تحتاج السيئة إلى القمع ، ويحتاج الشر إلى الدفع فلامكان لمقابلتها بالحسنة ، لئلا ينتفش الشر ويتجرأ ويتوقح . ودرء السيئة بالحسنة لون حميد من الصبر ، وهو أشد من مجرد الصبر على الايذاء والسخرية ، فيه استعلاء على كبرياء النفس ، وفيه فوق ذلك سماحة راضية ، ترد القبح بالجميل ، وتقابل الجاهل بالطمأنينة ، وهذه مكانة لا يبلغها الا المؤمنون الذين يعاملون اللّه فيرضاهم ويرضونه ، فيلقون ما يلقون من الناس راضين مطمئنين . ويتحدث الإمام ابن القيم عن مقابلة الإساءة بالاحسان ، وهي فضيلة تتضمن التماس الاعذار للناس ، فيذكر ان كمال هذه الفضيلة لم يتحقق لاحد سوى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم للورثة « بحسب سهامهم من التركة » كما يعبر ابن القيم ، ولا عجب في ذلك ولا غرابة ، فسيدنا ورائدنا وقائدنا رسول اللّه هو القائل : « اتق اللّه حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن » . ويتحدث الهروي عن درجات الفتوة فيقول : ان الدرجة الثانية منها هي أن تقرب من يقصيك ، وتكرم من يؤذيك ، وتعتذر إلى من يجني عليك ، سماحة لا كظما ، ومودة لا مثابرة . ويقول ابن القيم عن شيخه ابن تيمية : « وما رأيت أحدا قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الاسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - وكان بعض أصحابه الأكابر يقول : وددت أنه لأصحابه مثله لأعدائه وخصومه . وما رأيته يدعو على أحد منهم قط ، وكان يدعو لهم . وجئت يوما مبشرا له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له فنهرني وتنكر لي واسترجع ، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم ، وقال إني لكم مكانه ، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة الا وساعدتكم عليه .