تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة اخلاق القرآن — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
الثانية : قوله تعالى « إلى اللّه » بيان المهروب اليه ، ولم يذكر الذي منه الهرب لاحد وجهين : اما لكونه معلوما وهو هول العذاب ، أو الشيطان الذي قال فيه : « ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا » واما ليكون عاما ، كأنه يقول : كل ما عدا اللّه عدو لكم ، ففروا إلى اللّه من كل ما عداه . وبيانه هو أن كل ما عداه يتلف عليك رأس مالك ، وهو العمر ، ويفوت عليك ما هو الحق والخير ، ومتلف رأس المال ومفوت الكمال عدو . وأما إذا فررت إلى اللّه ، وأقبلت على اللّه فهو يأخذ عمرك ، ولكنه يرفع أمرك ، ويعطيك بقاء لا فناء معه . الثالثة : في النص تنويع للكلام وفيه فائدة بيانها أن اللّه تعالى قال : والسماء بنيناها ، والأرض فرشناها ، ومن كل شيء خلقنا ، ثم جعل الكلام للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال : ففروا إلى اللّه اني لكم منه نذير مبين ، ولم يقل : ففروا الينا وذلك لان اختلاف الكلام له تأثير ، وكذلك لاختلاف المتكلمين تأثير ، ولهذا يكثر الانسان من النصائح مع ولده الذي حاد عن جادة الصواب ، ويجعل الكلام مختلفا : نوعا ترغيبا ، ونوعا ترهيبا وتنبيها بالحكايات ثم يقول لغيره تكلم معه ، لعل كلامك ينفع لما في أذهان الناس أن اختلاف المتكلمين واختلاف الكلام كلاهما مؤثر ، واللّه تعالى ذكر أنواعا من الكلام ، وكثيرا من الاستدلالات والآيات . ويذهب تفسير « في ظلال القرآن » إلى أن اللّه تبارك وتعالى في ظل هذه اللمسات القصيرة العبارة الهادئة المدى في أجواز الفضاء ، وفي آماد الأرض ، وفي أعماق الخلائق ، يهتف بالبشر ليفروا إلى خالق السماء والأرض والخلائق ، متجردين من كل ما يثقل أرواحهم ويقيدها ، موحدين اللّه الذي خلق هذا الكون وحده بلا شريك : « ففروا إلى اللّه اني لكم منه نذير مبين ، ولا تجعلوا مع اللّه الها آخر اني لكم منه نذير مبين » .
موسوعة اخلاق القرآن — صفحة 114 | أحمد الشرباصي