فاللبيب اذن هو من حاذر وخاف ، ولم يستسلم لأحد ، ولو كان من أولاده أو أقاربه ، فإنهم قد يزينون له الاثم ، أو يحملونه بفتنتهم على ارتكاب المحظور أو كسب الحرام ، ولذلك قال مجاهد في الآية السابقة :
« ما عادوهم في الدنيا ، ولكن حملتهم مودتهم على أن أخذوا لهم الحرام فأعطوه إياهم » . والآية عامة في كل معصية يرتكبها الانسان بسبب الأهل والولد ، وخصوص سبب النزول لا يمنع عموم الحكم .
* * * ويتحدث كتاب اللّه تعالى عن الحذر من العدو الباغي الطاغي ، فيقول جل جلاله في سورة النساء :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً
« 1 » » . و « ثبات » معناها جماعات متفرقة ، ومفردها « ثبة » . والمعنى : استعدوا للأعداء بالحذر والانتباه واليقظة ، والا عصفوا بكم على حين غرة منكم :
« وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً »
. وفي « مفردات القرآن » أي معنى « خذوا حذركم » هو : خذوا ما فيه الحذر من السلاح وغيره ، أي استعدوا واعدوا ما يكون سببا لتحقيق فائدة الحذر ، وهو كل أنواع القوة :
« وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ
« 2 » » .
وهذه الآية الكريمة خطاب من اللّه تعالى للمؤمنين المخلصين من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأمر لهم بجهاد الكفر ، والخروج في سبيل اللّه ، وقد أمرهم ربهم الا يقتحموا على عدوهم على جهالة ، بل يجب أن يتحسسوا ما عند الأعداء ، ويعلموا كيف بواجهونهم ويردون على اعتدائهم ، فذلك أثبت لهم ، وهذا لا ينافي التوكل على اللّه ، بل
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية 71 .
( 2 ) سورة الأنفال ، الآية 60 .