فان كنت يا نفس قد عرفت جميع ذلك ، وآمنت به ، فمالك تسوفين « 1 » العمل والموت لك بالمرصاد ، ولعله يختطفك من غير مهلة . فبماذا أمنت استعجال الأجل ؟ وهبك أنت وعدت بالامهال مائة سنة ، أفتظنين أن من يطعم الدابة في حضيض العقبة « 2 » يفلح ويقدر على قطع العقبة بها ؟ .
ان ظننت ذلك فما أعظم جهلك .
أرأيت لو سافر رجل ليتفقه في الغربة فأقام فيها سنين متعطلا بطالا « 3 » ، يعد نفسه بالتفقه في السنة الأخيرة عند رجوعه إلى وطنه ، هل كنت تضحكين من عقله وظنه أن تفقيه النفس مما يطمع فيه بمدة قريبة ، أو حسبانه أن مناصب الفقهاء تنال من غير تفقه ، اعتمادا على كرم اللّه سبحانه وتعالى ! .
ثم هبي أن الجهد في آخر العمر نافع ، وأنه موصل إلى الدرجات العلى ، فلعل اليوم آخر عمرك ، فلم لا تشتغلين فيه بذلك ، فان أوحي إليك بالامهال ، فما المانع من المبادرة ، وما الباعث لك على التسويف ؟ .
هل لك سبب الا عجزك عن مخالفة شهواتك لما فيها من التعب والمشقة ؟ .
أفتنظرين يوما يأتيك لا تعسر فيه مخالفة الشهوات ؟ . هذا يوم لم يخلقه اللّه قط ، ولا يخلقه ، فلا تكون الجنة قط الا محفوفة بالمكاره ، ولا تكون المكاره قط خفيفة على النفوس ، وهذا محال وجوده .
أما تتأملين مذ كم تعدين نفسك وتقولين : غدا غدا ؟ . فقد جاء العد
هامش
( 1 ) تسوفين : تؤجلين وتماطلين ، وفي المثل : « فلان يقتات السوف ، أي يعيش بالأماني » .
( 2 ) العقبة : الطريق الوعر في الجبل .
( 3 ) متعطلا بطالا : المتعطل الذي لا عمل له ، والبطال صاحب الباطل .