أفتحسبين أن اللّه كريم في الآخرة دون الدنيا ، وقد عرفت أن سنة اللّه لا تبديل لها ، وأن رب الآخرة والدنيا واحد ، وأن ليس للانسان الا ما سعى .
ويحك يا نفس ! . ما أعجب نفاقك ودعاويك الباطلة ، فإنك تدعين الايمان بلسانك ، وأثر النفاق ظاهر عليك . ألم يقل لك سيدك ومولاك :
« وما من دابة في الأرض الا على اللّه رزقها » ، وقال في أمر الآخرة :
« وأن ليس للانسان الا ما سعى » . فقد تكفل لك بأمر الدنيا خاصة ، وصرفك عن السعي فيها ، فكذبته بأفعالك ، وأصبحت تتكالبين « 1 » على طلبها تكالب المدهوش المستهتر « 2 » ، ووكل أمر الآخرة إلى سعيك ، فأعرضت عنها اعراض المغرور المستحقر . ما هذا من علاقات الايمان .
لو كان الايمان باللسان فلم كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار ؟
ويحك يا نفس ! . كأنك لا تؤمنين بيوم الحساب ، وتظنين أنك إذا مت انفلت وتخلصت . وهيهات « 3 » . أتحسبين أنك تتركين سدى « 4 » ؟ .
ألم تكوني نطفة من مني يمنى « 5 » ، ثم كنت علقة فخلق فسوى ، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ؟ .
هامش
( 1 ) تتكالبين : الكلب - بفتح الكاف واللام - : الحرص ، ورجل كلب - بفتح الكاف وكسر اللام - : شديد الحرص . فمعنى تتكالبين : تشتدين في الحرص على طلب الدنيا .
( 2 ) المستهتر : المولع بالشيء لا يبالي في سبيله بأي جهد .
والمدهوش : الذي ذهب عقله من الوله .
( 3 ) هيهات : كلمة تستعمل للاخبار ببعد الشيء وتفسره ، وهي اسم فعل ، وفي القرآن الكريم :« هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ ».
( 4 ) سدى : مهمل ، يستوي فيه المفرد وغيره ، وفي القرآن :« أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً »أي مهملا فلا يجازى .
( 5 ) يمنى : يقذف في الأرحام عند ثوران الشهوة .