ومن أجل أن اللسان آلة للهضم فقد شاءت المصادفة أن يكون هضم الأطعمة مختلفا مكانه باختلاف عناصرها : فمنها ما يهضم في المعدة ، ومنها ما يهضم في الأمعاء ، ولكن شيئا واحدا منها ، وهو النّشاء ، لا يهضم في المعدة ، بل إن عصارات المعدة تعيق هضمه وتبطل تحويله ، ولذلك شاءت المصادفة أن يكون الوسط الوحيد الصالح لتحويل النشائيّات إلى سكّر وهضمها هو اللّعاب .
ولولا هذا اللّسان التّلعاب الذي يمزج اللّعاب باللّقمة ويعجنها ، لما تمّ هضم النّشاء ، وهو من أهمّ عناصر الغذاء .
ومن أجل أن اللّسان آلة للتكلّم ، ومن أجل أن الأصوات تخرج من الحنجرة كما تعلم ، ومن أجل أن الحنجرة لا تستطيع توليد الحروف كلّها ، بل يقتصر عملها على توليد الحروف الصوتيّة المعروفة بحروف العلّة دون الحروف الأخرى المعروفة بحروف الصحّة التي لا بدّ لتوليدها من تقطيع مجرى الهواء الذي يحمل الصوت من الحنجرة ، فقد شاءت المصادفة أن يخلق هذا اللّسان مع الشفتين ليكون وسيلة لتقطيع الهواء وإخراج حروف الصحّة . ولولا ذلك ما كان لنا كلام فصيح ، بل كنا نكون كالحيوانات نطلق أصواتا نمدّها مدّا ، فلا نحسن إلّا عواء ونعيقا ، أو صفيرا ونقيقا ، أو صهيلا ونهيقا .
ثم يستطرد الشيخ الجسر بأسلوبه التهكّمي إلى من يقول بالمصادفة فيقول :
فما أعجبها يا حيران هذه المصادفات التي كثرت ، وتوالت ، وتلاقت ، وتلاءمت ، وتوافقت حتى كوّنت لنا هذا اللّسان العجيب .
حقّا يا مولاي إنّ اللّسان عضو عجيب . . . ولكن ما ذا في الشفتين سوى أنهما تساعدان على لفظ بعض الحروف ؟
أكان يرضيك ، يا حيران ، أن تخلق بلا شفتين مكشّرا ، فاغرا ، يسيل لعابك ، ويدخل الغبار إلى صدرك ، والذباب إلى لهاتك ؟ ألا تشكر المصادفة التي خلقت هذا الإنسان
فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
( التين 4 ) فجعلت له من