الشفتين ، زينة لوجهه ، وسترا لفمه ، وحاجزا للعابه ، ومانعا من دخول الغبار إلى رئتيه ، والذّباب إلى لهاته ، ليتنفّس من حيث ينفع التنفّس بأنفه وخيشومه ، ويصدّ المؤذيات عن حلقه وبلعومه ؟
ألا تشكر المصادفة التي سلّحت هاتين الشفتين بقوّة مرهفة من الإحساس ليصدّا كلّ مؤذ وكاو ومحرق ، وزوّدتهما تحت غشائهما المخاطي بغدد تفرز اللّعاب لتظلّا رطبتين ، وربطتهما بأعصاب تجعل كلّ حركة لهما من فتح وإغلاق ومطّ وزمّ ، بإرادة الإنسان واختياره ؛ ليفتحهما ساعة يشاء ويغلقهما ساعة يريد ، فيقطع بهما الهواء ويحبس الصوت ليتمكّن من لفظ الحروف الشفويّة ؟ فلو لا كلّ هذه المصادفات ، يا حيران ، لانقلب هذا الإنسان المليح الفصيح الظريف ، مسخا ، قبيحا ، مكشّرا ، فاغرا ، عيّا ، قذرا ، يسيل لعابه على ذقنه وثيابه ، ويزدحم الذّباب على رضابه !
9 - في الألم
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً ، كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً
.
هذا التحديد للوسيلة المولجة باستقبال الإحساس بألم الحريق ( الجلد ) ، لا يمكن أن يصدر منذ خمسة عشر قرنا إلا من خالق الجلد ، المولى سبحانه وتعالى ، الذي هو
بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
( يس 79 ) . فعلم التشريح لم يكتشف ، إلا في القرن العشرين ، أن في طبقات الجلد مراكز عصبيّة وظيفتها تلقّي الإحساس بالحرارة (
ThermorecePteur
) التي تتحوّل إلى إحساس بالألم ، ونقله إذا زاد أو نقص معدّل درجة الحرارة عمّا يتحمّله الجسم العاديّ ( 18 - 38 درجة ) . فالحروق الأشدّ ألما هي حروق الدّرجة الأولى والثانية التي تصيب طبقات الجلد دون أن تتلفها نهائيّا ، أما حروق الدرجة الثالثة التي تخرق الجلد وتميته وتصل إلى العضلات والعظام ، فألمها وقتي يكون حين الإصابة فقط .