الخبير تلك البلّورية تحت إرادة الناظر أيضا يزيد في تحدّبها أو ينقصه ، لأن خطوط النور يزداد تجمّعها كلّما زاد تحدّب الجسم النافذة منه ، وينقص كلّما قلّ تحدّبه . ثم تنفذ الخطوط في الرطوبة الزجاجيّة فتزداد تجمّعا حتى يكون التجمّع كافيا لرسم الصورة واضحا . هذا في داخل العين ، وأمّا في خارجها فإن الخالق جعل العين داخل الحجاج (
tibrO
) محفوظة من كلّ جانب ، إلا الجهة التي يدخلها النور . وجعل الطبقة الأولى منها وهي الصّلبة مع القرنيّة لدنة حتى تقوى على المصادمة بعض القوّة ، وسترها بالأجفان لوقايتها ، وأنبت على أطراف الأجفان شعرا ملوّنا ثخينا لدنا منتصبا ، مع ميل الأعلى منه إلى فوق والأسفل إلى تحت . أما تلوين الشعر فليتشرّب بعض النور الوارد على العين .
وأما ثخنه وانتصابه فلمقاومة الأجسام الصغيرة الواردة على العين كالتراب والغبار . وأمّا ميله فليسهّل افتراق الهدبين عند فتح الأجفان ، فلو كانا متوازيين أو متقابلين لتشابكا وتلاصقا برطوبة العين ، ولوقفا في طريق النور ، وانتقلت صورتهما إلى الشبكيّة فشوّشت صور المرئيّات . ثم لمّا كان الغبار لا يندفع كلّه عن العين ، لا بالحجاج ولا بالأجفان والأهداب ، وهو مضرّ بالقرنيّة معطّل لشفافيتها ، جعل الخالق الحكيم إفراز الدمع دواء لجلائه ، وجعل الأجفان دائمة الحركة بالانطباق والانفتاح ، حتى لا يتعطّل الإبصار ويتشوّش ، فيغسل الدمع الغبار الذي يقع على المقلة ، والأجفان بحركتها تصقلها وتزيح الدمع المخلوط بالغبار عنها . وهذا الدمع الذي صار بالغبار قذرا لا بدّ من خروجه عن المقلة ، فلم يتركه الخلّاق الحكيم يجري من الأجفان على الخدّين ، بل دبّر أمر جريانه إلى الموق ، ثم جعل هناك ثقبا صغيرا دقيقا نافذا إلى داخل الأنف ، يسمّى القناة الدمعيّة فهل يعقل أن يكون كلّ هذا الإبداع والإتقان والإحكام في العين أثرا من آثار حركة أجزاء المادّة العمياء ؟
2 - . . . تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ . . .
( الأحزاب 19 )