وإنّ البشارة صنفان : ناطقة حيّة باقية ، وبشارة صامتة يخبر عنها بالألسن .
والبشارة الناطقة هي التي يتاح لكلّ أحد أن يراها أو يصغي إليها ، وكذا تكون البشارة التي يحدّث بها القرآن ، وقد كتبت في العهدين .
ولو لم تكن تلك البشارة مكتوبة في التوراة والإنجيل لجاهر بتكذيبها أصحاب العهدين ، كما جاهر القرآن بالتصريح بها .
وسكت القرآن عن ذكر البشائر الواردة في كتب أنبياء السلف . ولعلّ ذلك من أجل عدم وجود تلك الكتب في عصر محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، أو لعدم التمكّن من التعرّف عليها ، فلم يمكن تصديق تلك البشائر ولا تكذيبها .
ومن ميزات البرهان المقنع : أن يكون سهلا تناوله ، سيّما إذا أقيم لتوجيه الناس وإرشادهم . فقد اكتفي في القرآن بالإشارة إلى بشارات يتاح التعرّف عليها لكلّ واحد ، وصفح عن غيرها من البشائر ، وذلك من دلائل صدق القرآن وآيات الحقّ التي حفّت بالقرآن الكريم .
نظرة إلى الكريمة الأولى
تحدّثنا هذه الآية بأنّ الواجبات التي تفترض بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله أن يقوم بها تجاه الذين يتّبعونه ستّة : الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وتحليل الطيّبات ، وتحريم الخبائث ، ووضع الإصر ، ووضع الأغلال .
وإنّ الأوّلين يوجّهان إلى تهذيب الأفعال والأقوال ، والأوسطين إلى تعديل النزعات والغرائز . والأخيرين إلى إنقاذ البشريّة من الأوزار والماسي .
ومن الواضح أنّ إصلاح كلّ مجتمع وتهذيبه يتحقّق بالأوّلين ، وأنّ تعديل كلّ نزعة يتحقّق بأمرين :
أحدهما : بإعطائنا ما نتطلب ونريد ، ويتحقّق ذلك بتحليل الطيّبات .
ثانيهما : بجعل حدّ للطلب والإرادة ، وذلك يتحقّق بتحريم الخبائث . وإنّ تهذيب كلّ نفس وتطهيرها من الأرجاس يحصل بالأمرين . ثمّ إنّ وضع الإصر والأغلال هو