ونظيره قوله تعالى في موضع آخر :
وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ
. « 1 » قال سيبويه - في باب ما ينتصب في التعظيم والمدح - :
وسمعنا بعض العرب يقول : الحمد للّه ربّ العالمين - بنصب الربّ - فسألت عنها يونس فزعم أنّها عربية . « 2 » قال : ومنها « والمقيمين » و « الصابرين » فقطع إلى النصب مدحا . وهذا باب شائع في العربية ، وتكلّم فيه سيبويه بتفصيل . « 3 » وهكذا قال أبو عبيد . قال : هو نصب على تطاول الكلام بالنسق ، أي للإيفاد بالكلام تطرية تخرجه على تطاول النسق . فيجوز القطع إلى النصب وإلى الرفع تطرية للكلام وإخراجه عن نسق واحد . وأنشد للخرنق بنت هفّان :
لا يبعدن قومي الذين هم * سمّ العداة وآفة الجزر
النازلين بكلّ معترك * والطيّبون معاقد الأزر « 4 »
وأمّا الجزم في « وأكن » معطوفا على « فأصّدق » فمحمول على موضع « فأصّدّق » لو لم يكن فيه الفاء ، وموضعه جزم ، جوابا ل « لولا » في قوله تعالى :
فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
. « 5 » وهو من العطف على التوهّم ، وهو شائع في اللغة . كما في قول الشاعر :
فأبلوني بليّتكم لعلّي * أصالحكم وأستدرج نويّا
فجزم « أستدرج » معطوفا على موضع « أصالحكم » بتوهّم أنّه لو لم يكن قبلها « لعلّي » . لأنّه قال : فأبلوني بليّتكم أصالحكم واستدرج . « 6 » وللفرّاء هنا كلام مسهب أتى فيه بفوائد جمّة ، نذكره على طوله :
هامش
( 1 ) البقرة 2 : 177 .
( 2 ) كان سيبويه يحترم آراء يونس . ويأخذها حجّة . والزعم هنا بمعنى الرأي والنظر .
( 3 ) راجع : كتاب سيبويه ، ج 1 ، ص 288 - 291 .
( 4 ) تأويل مشكل القرآن ، ص 53 .
( 5 ) المنافقون 63 : 10 .
( 6 ) راجع : تأويل مشكل القرآن ، ص 56 .