فما زعمه الزاعمون من وجود لحن في كتاب اللّه فإنّما هو لقصور فهم وعدم اضطلاع بمباني اللغة الأصيلة وإليك توضيحا لهذا الجانب :
أمّا قوله تعالى :
إِنْ هذانِ لَساحِرانِ
« 1 » فالقراءة الصحيحة المتّبعة وهي قراءة حفص وجمهور المسلمين هي القراءة بالتخفيف ، مخفّفا عن المثقّلة ، بدليل وجود اللام في الخبر .
وكان أبو عمرو بن العلاء - وهو أعلم أهل زمانه بالقرآن والعربية وآدابها - يقول : إنّي لأستحيي أن أقرأ بالتشديد ورفع الاسم . فالخطأ موجّه إلى تلك القراءة المرفوضة وليس في القرآن الذي يلهج به عامّة المسلمين وعلى رأسهم قراءة حفص ذات الإسناد الذهبي إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام .
أمّا الحمل على لغة بلحرث بن كعب ، حيث كانوا يلهجون في المثنّى بالألف مطلقا - كما فعله ابن قتيبة - « 2 » فغير سديد . لأنّ القرآن نزل وفق اللغة الفصحى ولا يحمل على الشواذّ المنبوذة . « 3 » وأمّا الرفع في المعطوف عن منصوب « إنّ » في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ
« 4 » قبل استكمال الخبر ، فلكونه عطفا على محلّ الاسم وهو رفع بالابتدائية . ورجّح ذلك لوجهين :
أحدهما : مناسبة الواو في « هادوا » ، في حين عدم ظهور إعراب الاسم بسبب البناء .
قال الفرّاء : ويجوز ذلك إذا كان الاسم ممّا لم يتبيّن فيه الإعراب ، كالمضمر والموصول . « 5 » كقول ضابئ بن الحارث البرجمي :
فمن يك أمسى بالمدينة رحله * فإنّي وقيّار بها لغريب
هامش
( 1 ) طه 20 : 63 .
( 2 ) راجع : تأويل مشكل القرآن ، ص 50 .
( 3 ) وقد أسهب ابن قتيبة في هذا المجال ، وذكر أشياء فيها فوائد كثيرة ، فراجع . وقد فصّلنا الكلام حول الآية في كتابنا « صيانة القرآن من التحريف » ، ص 182 - 183 ، طبق 1418 .
( 4 ) المائدة 5 : 69 .
( 5 ) مجمع البيان ، ج 3 ، ص 224 .