تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات تاريخية من القرآن الكريم — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
الجنين ونموه واكتماله في فترة وجيزة ، ليس في النص ما يدل على إحدى الحالتين « 1 » ، ومن ثم فقد اختلف العلماء في مدة حمل مريم بعيسى على وجوه ، الأول : قول ابن عباس أنها كانت تسعة أشهر ، كما في سائر النساء بدليل أن اللّه تعالى ذكر مدائحها في هذا الموضع ، فلو كانت عادتها في مدة حملها بخلاف عادات النساء لكان ذلك أولى بالذكر ، والثاني : أنها كانت ثمانية أشهر ، ولم يعش مولود وضع لثمانية ، إلا عيسى بن مريم عليه السلام ، والثالث : قول عطاء وأبي العالية والضحاك سبعة أشهر ، والرابع : أنها كانت ستة أشهر ، والخامس : ثلاث ساعات ، حملته في ساعة ، وصور في ساعة ، ووضعته في ساعة ، والسادس : قول آخر لابن عباس كانت مدة الحمل ساعة واحدة ، ما هي إلا أن حملت فوضعت ، واستدل عليه من وجهين ، أولهما : قوله تعالى :
فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ
فَناداها مِنْ تَحْتِها
، والفاء للتعقيب فدلت هذه الفاءات على أن كل واحدة من هذه الأحوال حصل عقيب الآخر من غير فصل ، وذلك يوجب كون مدة الحمل ساعة واحدة ، لا يقال انتباذها مكانا قصيا كيف يحصل في ساعة واحدة ، لأن السّدى فسرها بأنها ذهبت إلى أقصى موضع في جانب محرابها ، وثانيهما : أن اللّه تعالى قال في وصف عيسى :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
، فثبت أن عيسى كما قاله اللّه تعالى :
كُنْ فَيَكُونُ
، وهذا مما لا يتصور فيه مدة الحمل ، وإنما تعقل المدة في حق من يتولد من النطفة « 2 » ، وأخيرا فإن « إليان » وأشياعه من النصارى إنما يذهبون إلى أن مريم لم تحبل بعيسى تسعة أشهر ، وإنما مرّ في بطنها كما يمر الماء في الميزاب ، لأن الكلمة دخلت في أذنها ، وخرجت من حيث يخرج الولد من
هامش
( 1 ) في ظلال القرآن 4 / 2306 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي 21 / 202 ، تفسير روح المعاني 16 / 79 - 80 وانظر : تفسير الطبري 16 / 65 ، تفسير النسفي 3 / 32 ، تفسير ابن كثير 3 / 188 - 189 ، البداية والنهاية 2 / 65 - 66 ، الكامل لابن الأثير 1 / 176 .