تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات تاريخية من القرآن الكريم — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
قوله تعالى :
قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
وجوه ، أحدها : أرادت إن كان يرجى منك أن تتقي اللّه ويحصل ذلك بالاستعاذة باللّه ، فإني عائذة به منك ، وهذا في نهاية الحسن لأنها علمت أنه لا تؤثر الاستعاذة إلا في التقي ، وهو كقوله :
وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
، أي أن شرط الإيمان يوجب هذا ، لا أن اللّه يخشى في حال دون حال ، وثانيها : أن معناه ما كنت تقيا حين استحللت النظر إلي وخلوت بي ، وثالثها : أنه كان في ذلك الزمان إنسان فاجر اسمه « تقي » يتبع النساء فظنت مريم أن ذلك الشخص المشاهد هو ذلك التقي ، والأول هو الوجه « 1 » ، ومن ثم ذهب الألوسي إلى أن من قال إن « تقيا » اسم رجل صالح أو حتى طالح ، ليس بسديد « 2 » . وعلى أية حال ، فلقد أخبرها جبريل عليه السلام أن اللّه تعالى أرسله إليها ليهب لها غلاما زكيا ، يكون له شأن عجيب ، ويهبه اللّه النبوة والحكمة وحينئذ تملكها العجب ، وأدركتها شجاعة الأنثى المهددة في عرضها ، فتسأل في صراحة
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
، ويبدو من سؤالها أنها لم تكن تتصور حتى اللحظة وسيلة أخرى لأن يهبها غلاما ، إلا الوسيلة المعهودة بين الذكر والأنثى ، وهذا هو الطبيعي بحكم التصور البشري ،
قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا
« 3 » . وفي سورة آل عمران تفصيل أكثر عن الغلام المبشر به
قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ
« 4 » ، وهكذا بشرت الملائكة مريم بكلمة من اللّه اسمه المسيح
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي 21 / 197 - 198 . ( 2 ) تفسير روح المعاني 16 / 77 . ( 3 ) سورة مريم : آية 20 - 21 ، في ظلال القرآن 4 / 2306 . ( 4 ) سورة آل عمران : آية 45 - 46 ، وانظر : تفسير الطبري 3 / 269 - 273 ، تفسير ابن كثير 1 / -
دراسات تاريخية من القرآن الكريم — صفحة 292 | محمد بيومي مهران