تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات تاريخية من القرآن الكريم — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
عيسى ابن مريم ، فتضمنت البشارة نوعه ، وتضمنت اسمه ونسبه ، وظهر من هذا النسب أن مرجعه لأمه ، ثم تضمنت البشارة كذلك صفته ومكانه من ربه
وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
، كما تضمنت ظاهرة معجزة تصاحب مولده
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ
، ولمحة من مستقبله « وكهلا » ، وسمته والموكب الذي ينتسب إليه « ومن الصالحين » ، فأما مريم الفتاة الطاهرة العذراء المقيدة بما لوف البشر في الحياة ، فقد تلقت البشارة كما يمكن أن تتلقاها فتاة ، واتجهت إلى ربها تناجيه وتتطلع إلى كشف هذا اللغز الذي يحيّر عقل الإنسان :
أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ، قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
، وحين يرد الأمر إلى هذه الحقيقة الأولية يذهب العجب وتزول الحيرة ويطمئن القلب ، وهكذا كان القرآن يجلو الشبهات التي تعقدها الفلسفات المعقدة ، ويقر الأمر في القلوب وفي العقول سواء « 1 » . وعلى أية حال ، فليس هناك من ريب في أن ولادة المسيح عيسى بن مريم ، على هذا الوضع العجيب آية بالغة على كمال قدرة اللّه على أنواع الخلق ، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى ، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر ، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى ، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى ، يقول ابن كثير : فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه ، فلا إله غيره ولا رب سواه « 2 » ، وعلى هذا المنوال الأخير من الخلق ( أي من ذكر وأنثى ) جرت سنة اللّه التي وضعها لامتداد الحياة بالتناسل من ذكر وأنثى في
هامش
- 545 ، تفسير النسفي 1 / 158 ، تفسير روح المعاني 3 / 159 - 164 ، تفسير الفخر الرازي 8 / 46 - 52 ، تفسير الكشاف 1 / 277 - 278 ، تفسير القرطبي ص 1330 - 1331 ، تفسير المنار 3 / 249 - 255 ، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1 / 182 - 183 . ( 1 ) في ظلال القرآن 1 / 398 . ( 2 ) تفسير ابن كثير 3 / 187 .