السلام بعد البشارة بولادته ، وهي أعلى من الأولى ، كقوله تعالى لأم موسى :
إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
« 1 » ، وأما الصلاح فالمراد به هنا ما فوق الصلاح الذي لا بد منه في منصب النبوة البتة من أقاصي مراتبه ، وعليه مبنى دعاء سليمان عليه السلام :
وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ
« 2 » ، وذلك لأن للأنبياء قدرا من الصلاح لو انتقص لانتفت النبوة ، فذلك القدر بالنسبة إليهم يجري مجرى حفظ الواجبات بالنسبة إلينا ، ثم بعد اشتراكهم في ذلك القدر تتفاوت درجاتهم في الزيادة على ذلك القدر ، وكل من كان أكثر نصيبا منه كان أعلى قدرا « 3 » .
وعودا على بدء ، إلى زكريا عليه السلام ، ذلك أن النبي الكريم قد عجب من أن يكون له غلام ، على كبر سنه ، وعقم زوجته ، فقيل له كذلك يفعل اللّه ما يشاء ، وطلب آية من ربه تدل على حمل امرأته ، فقيل له آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا ، مع أنك سوى صحيح ، والغرض أن يأتيه مانع سماوي يمنعه من الكلام بغير ذكر اللّه ، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى :
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً ، وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ، قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ، وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ، قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ، قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا
« 4 » ، وقد ذكر المفسرون في تفسير الآية الأخيرة ( مريم : آية 10 ) « 5 » وجوها ، أحدها : أنه تعالى حبس لسانه ثلاثة أيام ، فلم يقدر أن يكلم الناس إلا رمزا ، والرمز : الإشارة باليد أو بالرأس أو بغيرهما ، قال الطبري : الإيماء
هامش
( 1 ) سورة القصص : آية 7 .
( 2 ) سورة النمل : آية 19 .
( 3 ) تفسير الفخر الرازي 8 / 37 .
( 4 ) سورة مريم : آية 8 - 10 ، وانظر : سورة آل عمران : آية 40 - 41 .
( 5 ) وكذا : آية آل عمران 41أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً.