تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات تاريخية من القرآن الكريم — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
أخرى كالنواة ، وفي بعض كهدبة الثوب ، وتذهب جمهرة العلماء إلى أن هذا الرأي غير مقبول أصلا ، لأن هذه من صفات النقصان ، وذكر صفة النقصان ، في معرض المدح لا يجوز ، ولأنه على هذا التقدير لا يستحق به ثوابا ولا من تعظيما ، وأما القول الثاني ، وهو اختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء ، لا للعجز ، بل للعفة والزهد ، وذلك لأن الحصور هو الذي يكثر منه حصر النفس ومنعها ، والمنع إنما يحصل أن لو كان المقتضى قائما ، فلولا أن القدرة والداعية كانتا موجودتين ، وإلا لما كان حاصرا لنفسه ، فضلا عن أن يكون يكون حصورا ، لأن الحاجة إلى تكثير الحصر والدفع إنما تحصل عند قوة الرغبة والداعية والقدرة ، وعلى هذا الحصور بمعنى الحاصر ، فعول بمعنى فاعل « 1 » . وقال القاضي عياض في الشفا « 2 » : اعلم أن ثناء اللّه تعالى على يحيى أنه كان « حصورا » ، ليس كما قال بعضهم إنه كان هيوبا ولا ذكر له ، بل قد أنكر ذلك حذاق المفسرين ونقاد العلماء وقالوا : هذه نقيصة وعيب ولا يليق بالأنبياء عليهم السلام ، وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب ، أي لا يأتيها كأنه حصور عنها ، وقيل مانعا نفسه من الشهوات ، وقيل ليست له شهوة في النساء ، وقد بان ذلك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص ، وإنما الفضل في كونها موجودة ثم يمنعها ، إما بمجاهدة كعيسى أو بكفاية من اللّه عز وجل كيحيى عليه السلام ، ثم هي في حق من قدر عليها ، وقام بالواجب فيها ، ولم تشغله عن ربه ، درجة عليا ، وهي درجة نبيا صلى اللّه عليه وسلم الذي لم تشغله كثرتهن عن عبادته ربه ، بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن وقيامه عليهن وإكسابه
هامش
( 1 ) تفسير روح المعاني 3 / 148 ، تفسير الفخر الرازي 8 / 36 - 37 ، تفسير الطبري 3 / 255 - 256 . ( 2 ) القاضي عياض اليحصبي : الشفا بتعريف حقوق المصطفى 1 / 88 - 89 ( بيروت 1979 ) ، شرح الشفا للملا على القاري 1 / 209 - 210 ( دار الكتب العلمية - بيروت ) .