التي لا تتقيد بسن ، ولا تتقيد بمألوف الناس ، لأنها تنطلق من المشيئة المطلقة التي تفعل ما تريد :
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ
« 1 » ، وهكذا بشرت الملائكة زكريا عليه السلام بمولود ذكر ، اسمه معروف قبل مولده ( يحيى ) ، وفي آية أخرى :
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا
« 2 » ، وفي تعيين اسمه عليه السلام تأكيد لوعد اللّه تعالى لزكريا عليه السلام ، وتشريف ليحيى عليه السلام حيث تولى اللّه تعالى تسميته ، ومن المعروف عادة أن كل الناس إنما يسميهم آباؤهم وأمهاتهم بعد مولدهم ، وأما يحيى عليه السلام فإن اللّه تعالى هو الذي سمّاه قبل دخوله في الوجود ، فكان ذلك من خواصه ، فلم يكن له مثل وشبيه في هذه الخاصية « 3 » ، وأما قوله تعالى :
لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا
، فقد اختلف المفسرون فيه على وجوه ، أحدهما : وهو قول ابن عباس والحسن البصري وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة أنه لم يسم أحد قبله بهذا الاسم ، وثانيها : أن المراد بالسمى النظير ، كما في قوله تعالى :
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
، أي شريكا في الاسم ، وفي تفرده بهذا الاسم ضرب من التعظيم ، ومزيد تشريف وتفخيم له عليه السلام وهذا ، كما قال الزمخشري ، شاهد على أن الأسماء النادرة التي لا يكاد الناس يستعملونها جديرة بالأثرة ، وإياها كانت العرب تنحي في التسمية ، لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النبر ، وثالثها : ما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس ، من أن العواقر لم تلد قبله مثله ، وكما يقول ابن كثير
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : آية 39 .
( 2 ) سورة مريم : آية 7 .
( 3 ) تفسير الفخر الرازي 21 / 186 ، غير أننا نلاحظ أن هناك شبها لهذا ، ذلك أن إسحاق ويعقوب والمسيح عليهم السلام ، قد بشربهم ، وسمعوا بأسمائهم قبل مولدهم ( سورة آل عمران : آية 45 ، هود : آية 71 ، الصافات : آية 112 ) ، بل إن التوراة تشير إلى أن إسماعيل قد بشر به وأعطى اسمه قبل أن يولد ( تكوين 16 / 11 ) .