وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ
« 1 » .
وبشأن أبي جهل :
أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى * عَبْداً إِذا صَلَّى * أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى * أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ * ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ
« 2 » .
فلو لم يكن ذلك من علّام الغيوب - المحيط بالماضي والحال والمستقبل - لما صحّ ذلك في ما أخبر به . بل لما كان من عاقل البشر أن يضع مصير دعوته على شيء معيّن يحتمل خلافه . فلو كان آمن واحد من هؤلاء الثلاثة الذين دمغهم القرآن بالكفر والشقاق المخلّد ذكره في زمرة الأشقياء لانطفأت شعلة الإسلام وقامت الحجّة على القرآن ومن جاء به . مثلا لو آمن أبو لهب لما كان لقوله تعالى :
سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ
منصرف ولا واقع مفهوم ، ولأصبحت هذه الآية - مثلا - في واد والواقع في واد آخر .
قال الدكتور مصطفى مسلم : وكيف كان محمّد صلّى اللّه عليه وآله يقابل الناس بها ، وقد أصبح أبو لهب من الصحابة كعمر بن الخطّاب وأحزابه من الّذين كان لهم موقف معاد للاسلام قبل أن يدخلوا فيه « 3 » .
هذه معجزة القرآن الباهرة ، وأيّ معجزة أبهر وأقهر من أمر لا يكلّف صاحبه أكثر من كلمة يقولها بلسانه ، فيبطل بها قول محمّد صلّى اللّه عليه وآله ويفسد أمره جميعه ، ثمّ لا يقول تلك الكلمة ، ولا تسمح له الحياة أن يقولها . فقد عاجلته المنيّة قبل يوم الفتح
هامش
( 1 ) المدّثّر : 11 - 26 .
( 2 ) العلق : 9 - 18 .
( 3 ) انظر مباحث في إعجاز القرآن ص 247 - 265 ط جدّة .