يقدحون أفهامهم فيما يظهر لهم من ذلك ، كما قال ابن الأثير . نذكر منها :
1 - في الآية إيجاز قصر ، من غير حاجة إلى تقدير . أمّا قولتهم فبحاجة إلى تقدير « من » لمكان أفعل التفضيل . وبذلك جاء الإبهام في قولتهم ، لأنّه يسأل :
من أيّ شيء ؟ فإن قدّر العموم فلعلّه غير مطّرد بالنسبة إلى جميع الموارد وجميع أفراد الناس .
2 - ثم الذي ينفي القتل ويوجب الحياة هي شريعة القصاص ، وهو قتل بإزاء قتل خاصّ دون مطلق القتل ، إذ ربّ قتلة أوجبت قتلات ، كما في حرب البسوس طالت أربعين سنة .
3 - في الآية طباق ، جمعا بين ضدّين : القصاص - وفيه إشعار بقتل - والحياة . وأيضا فيها بداعة ، الضدّ أوجب ضدّه . ولا سيّما في تعريف القصاص وتنكير الحياة ، وفيه غرابة فائقة .
4 - قال الزمخشري : ومن إصابة محزّ البلاغة ، بتعريف القصاص وتنكير الحياة ، لأنّ المعنى : ولكم في هذا الجنس من الحكم - الذي هو شريعة القصاص - حياة عظيمة . وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة . وكم قتل مهلهل بأخيه كليب ، حتّى كاد يفني بكر بن وائل . ولقد كانوا يقتلون بالمقتول غير قاتله . وهذه العادة جارية بين العرب حتّى الآن « 1 » . فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر . ففي شرع القصاص - وهو قتل القاتل المعتدي - حياة أيّة حياة « 2 » .
5 - وأمّا قولة العرب ، ففيها تناقض ظاهر ، إذ الشيء لا ينفي نفسه ، فكيف القتل ينفي القتل ؟ وأيضا فيها تكرار ، وتقدير ، وتهويل بسبب تكرار لفظ القتل المؤذن بالوحشة .
هامش
( 1 ) ونحن في مطلع القرن الخامس عشر للهجرة .
( 2 ) راجع الكشاف : ج 1 ص 222 - 223 .