حياتهم ، وليكون رادعا لمن أراد الإجرام - فأزمعت بكليتها على وضع عبارة موجزة وافية بهذا المقصود الجلل وأجمعت آراؤهم على عقد الجملة التالية :
« القتل أنفى للقتل » غفلت عن لفظة « القصاص » واستعملت كلمة « القتل » مكانها ، ذهولا عن أنها لا تفي بتمام المقصود ، وهم بصدد الايفاء والايجاز .
ذلك أنّ الذي يحدّ من الاجرام على النفوس ويحقن دماء الأبرياء هو فرض عقوبة القصاص ، وهو قتل خاص ، وليس مطلق القتل بالذي يؤثر في منعه ، بل ربما أوجب قتلات إذا لم يكن قصاصا .
ومع الإحاطة بهذه المزايا في لفظ « القصاص » جاء قوله تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
« 1 » تعبيرا تامّا وافيا بالمقصود تمام الوفاء . بل وفيها زيادة مزايا شرحها أرباب الأدب والتفسير .
قال سيّدنا الطباطبائي - طاب ثراه - : إنّ هذه الآية - على اختصارها وايجازها ، وقلّة حروفها ، وسلاسة لفظها ، وصفاء تركيبها - لهي من أبلغ التعابير وأرقى الكلمات . فهي جامعة بين قوّة الاستدلال وجمال المعنى ولطفه ، ورقّة الدلالة وظهور المدلول .
وقد كان للبلغاء قبلها كلمات وتعابير في وضع قانون القصاص ، كانت تعجبهم بلاغتها وجزالة أسلوبها ، كقولهم : « قتل البعض إحياء للجميع » وقولهم : « أكثروا القتل ليقلّ القتل » وأعجب من الجميع عندهم قولهم :
« القتل أنفى للقتل » .
غير أنّ الآية أنست الجميع ، ونفت الكل ، « ولكم في القصاص حياة » فهي أقلّ حروفا وأسهل تلفّظا . وفيها تعريف القصاص وتنكير الحياة ، دلالة
هامش
( 1 ) البقرة : 179 .